جديد الموقع
مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا. لكن وراء هذا الرقم حقيقة صارخة:
- معامل "جيني" للاختلال في توزيع الثروة في المغرب يبلغ نحو 40.5 وفق البنك الدولي، وهو مؤشر يكشف أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء ظل مرتفعا وثابتا حتى في سنوات النمو.
- نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يتجاوز 3,672 دولار سنة 2023، مما يبقي المغرب عالقا في "فخ الدخل المتوسط" الذي حذرت منه دراسات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- ثلاثة أرباع السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، مما يعني أن النمو نفسه يتمركز جغرافيا بدل أن يتوزع.
إن النمو الاقتصادي في المغرب يشبه إلى حد ما "تلك الكعكة التي يتوسع حجمها دون أن تتسع شرائحها". عبارة لا تتبناها منظمة دولية فحسب، إذ هي خلاصة ما رصده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في مسحه الاقتصادي للمغرب سنة 2024، حين لاحظ أن الاستثمار الأجنبي المباشر كان قويا، لكن الاستثمار المحلي الخاص ظل هشا، وأن الشركات المغربية تواجه عقبات هيكلية تحول دون مشاركتها الفاعلة في منظومة النمو، وأبعد من ذلك فكم من مقاولة صغرى أعلنت إفلاسها، بحيث تفيد المعطيات والتقارير الصادرة عن الهيئات المهنية ومكاتب الدراسات المالية في المغرب بأن قطاع الأعمال شهد موجة إفلاس قياسي طال النسيج المقاولاتي، نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها مستويات التضخم المرتفعة، وغلاء المواد الأولية، وشح التمويل.
لم يعد الإنسان المعاصر يعيش في فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عالمين متوازيين: عالم مادي ملموس تُشكّله العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الشاشات والخوارزميات. هذا الانقسام لا يُختزل في مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل يكشف عن تحوّل أنثروبولوجي عميق، حيث تتبدّل أنماط الانتماء وتُعاد صياغة الهوية في سياق جديد يتجاوز الحدود التقليدية للذات والجماعة.
إنّ الهوية الرقمية لم تعد مجرد انعكاس للهوية الواقعية، بل أصبحت فضاءً مستقلًا يُنتج سرديات جديدة عن الذات، ويُعيد تعريف العلاقة بالآخر. في المقابل، يخلق هذا الفضاء حالة من الاغتراب الافتراضي، حيث يشعر الفرد بانفصال بين وجوده الواقعي وصورته الرمزية، فيعيش ازدواجية بين الحضور المادي والتمثيل الرقمي. هذه الازدواجية ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل هي تجربة وجودية تُعيد طرح سؤال الهوية في زمن الشاشة.
من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والطقوس والمشاعر. فالإعجاب، الغضب، والحنين تتحول إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها في إطار ما يُعرف بـ الاقتصاد العاطفي. كما تُعيد الطقوس الرقمية اليومية – من التفاعل على وسائل التواصل إلى الحملات الافتراضية – إنتاج معنى الانتماء، لتكشف عن أن الهوية لم تعد حكرًا على الفضاء الواقعي، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين العالمين.
بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة تشكيل للإنسان في مواجهة العبور بين الواقع والافتراض. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتفاوض، بين الحضور والغياب، وبين الانتماء والاغتراب. وما يطرحه هذا المقال هو محاولة لفهم هذه الجدلية بوصفها إحدى أبرز التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمننا الراهن، حيث لم يعد السؤال "من نحن؟" يُجاب عليه في الواقع وحده، بل في الفضاء الرقمي أيضًا.
تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.
كان مساء الجمعة يهبط على الفنيدق ببطء، كأن النهار نفسه يخجل من النظر في وجوه العائدين. البحر، الذي بدا من بعيد كصفحة زرقاء هادئة، كان في الحقيقة وحشًا أليفًا؛ لا يبتلع الأجساد دائمًا، لكنه يلتهم الأحلام بصبر صياد عجوز.
هناك، على رصيف بارد يشبه مقعدًا في محطة للمنسيين، التقيت به.
أشعل سيجارة، ثم أطلق جملة خرجت من فمه كأنها قطعة من روحه:
"ناس مبلية بالزطلة... وأنا مبلّي بالغربة."
كان في الأربعين، لكن الزمن مرّ فوق وجهه مثل قطيع خيل هائج. عيناه لم تكونا تنظران إلى البحر، بل إلى شيء أبعد من البحر، إلى عمر ضاع وهو يركض خلف سراب اسمه "الضفة الأخرى".
قال بهدوء رجلٍ انتهى من البكاء منذ سنوات:
"هذه رابع مرة نحاول فيها الحريك."
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
"الغربة ما خلاتنيش نتزوج. كنت كل مرة نأجل حياتي. أقول: غدًا سأصل... وغدًا صار عشرين سنة."
استيقظ جمال للمرة الثالثة على التوالي، يتصبب عرقاً كأنه يركض في صحراء بلا حدود. لكنه لم يكن يركض؛ كان يقف في بقعة دائريّة من العشب الأخضر النضر. دائرة تتآكل أطرافها ببطء في البداية، ثم تنكمش بضراوة، حتى لا يبقى تحت قدميه الحافيتين سوى تراب عارٍ وعتمة مطلقة.تكرر هذا الحلم اكثر من ثلاث مرات.
غير أن الذعر الذي أفقده أنفاسه لم يكن وليد هذه الليلة؛ كان خبيئاً في صدره منذ سنوات. كان جمال يمارس حياةً دقيقةً كعقارب الساعة: يستيقظ في السادسة، يتناول فطوره الصامت بينما زوجته غارقة في نومها، يقطع الشوارع إلى مكتبه دون أن يتأخر دقيقة واحدة، ينجز مهامه بكفاءة آلية صماء، ثم يعود ليعالج عشاءً بارداً أمام شاشة التلفزيون، ويغفو في الحادية عشرة. حتى حديثه مع زوجته تحول إلى مجرد تبادل للخدمات اليومية: "هل أحضرت الحليب؟"، "سنزور أمي الجمعة". لم يكن ثمة شجار، ولا خيانة، بل فراغٌ هادئ ومريح تغطيه طبقة سميكة من الروتين.
في اليوم السابق، وبينما كان يحدق في شاشة الحاسوب المضيئة، شعر فجأة بأن جدران الغرفة تتقدم نحوه، تتنفس في وجهه وتضيق عليه، تماماً كالدائرة في حلمه. نهض، احتسى القهوة، وتظاهر بأن شيئاً لم يكن. كان متقناً لفن التظاهر.
لكن في صباح اليوم الرابع، انكسر شيء ما. لم يذهب إلى العمل. قال لزوجته التي رمقته بدهشة: "سأتأخر قليلاً"، وخرج يبحث عن تفسير لثقلٍ لا اسم له. كان يشبه رجلاً أضاع مفاتيحه في غرفة مظلمة، يمسح الأرضية بيديه ، وهو غير واثق أصلًا من وجود تلك المفاتيح.
شرفني الصديق العزيز الأديب حسن ميري بكتابة مقدمة لمنجزه الأدبي "عائد من الظل"، الذي يمكن تصنيفه ضمن جنس السيرة الذاتية.
يُعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية تحديداً في كتابه الشهير "الميثاق السيرذاتي" بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة" [فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص 22]
وقد اشترط لوجون أن تكون السيرة الذاتية نثرية، وأن يكون الحكي استرجاعياً مرتكزاً على أحداثٍ انطلاقاً من نقطة في الزمن الحاضر، وأن يكون محتوى السرد مؤسساً على الحياة الشخصية والفردية للكاتب وتطور شخصيته، مع وجود تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في النص.
وقد أضاف لوجون لكل هذا مفهوماً مركزياً يُعرف بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" (Le pacte autobiographique)؛ وهو اتفاق ضمني أو صريح بين الكاتب والقارئ، يتعهد فيه المؤلف بتقديم "الحقيقة"، ويحدد طريقة قراءة النص باعتباره مرجعاً حقيقياً وليس تخييلاً أدبياً [المرجع نفسه، ص 26].
لكن هذا لم يمنع نقاد ما بعد الحداثة، كدريدا وبارت، من انتقاد براديغم لوجون لعدة اعتبارات؛ لعل أبرزها استحالة الصدق في كتابة السيرة الذاتية؛ لأن الطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الذات الثابتة، فالأنا التي تكتب في الحاضر ليست بأي حال هي الأنا التي عاشت الأحداث في الماضي. والذاكرة البشرية لا يمكن أن تكون آلة تسجيل؛ لأن المؤلف -ورغم توفر نية الصدق لديه- لا يستطيع أن يمنع نفسه من تجميل صورته وحذف ما يخدش جماليتها. وهذا الحذف يأتي لاشعورياً عن طريق ممارسة رقابة ذاتية، لهذا فنحن في آخر الأمر نجد أنفسنا أمام "تخييل ذاتي" مبنيّ على تحويل الأحداث الواقعية إلى ألفاظ، وسبكها في سياق صور بلاغية توظف المجازات، والتشبيهات، والاستعارات بما يخدم بناء النص الأدبي، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عمل متخيَّل يتغذى على الواقع.
فتحت عيني عندما سمعت صوت خالي الأجش، يناديني ويدعوني إلى النهوض، تردد صوته في أرجاء بيتنا المتواضع "الرجال لا ينامون بعد شروق الشمس". وجدت أمي واقفة بجانب فراشي فرنوت إليها بعينين أثقلهما النعاس، كان باب الغرفة مواربا فتبعثرت نظراتي بين مباني القرية ذات الألوان الكالحة، واخترقتْ الأنهج الممتدة والأزقة الضيقة،
رجل تصميم خالي، حين أنظر إليه وأنا أقف وراءه لا أكاد أرى كتفيه، فهو كالطود الشامخ الذي لا ينحني، يداه الخشنتان المعروقتان وكفاهما المتشققتان اللتان تنتهيان بأصابع طويلة توحي أنه من سلالة العماليق بل هو العملاق الوحيد في القرية. وعندما يمشي بهامته المديدة تقرع قدماه الأرض قرعا عنيفا، ومع ذلك فهو هادئ الطبع فلا صلافة فيه ولا غلظة. لا يتكلم كثيرا، وإذا نطق لعلع صوته ليملأ الأرجاء كأنْ لا صوت يعلو فوق صوته. قلبه مخزن أسرار وخفايا، لا يبوح بها أبدا، أحكم إغلاق ذلك الصندوق وألقى مفاتيحه في أعماق البحار حتى لا يصل إليه أمهر البحارة. ولا يشكو ولا يتذمر. ظل يتمنى رؤية ابن له من صلبه يدرج أمام عينيه، لكنه حُرم منه رغم أنه تزوج مرتين، طلق الأولى بعد عقد من الزمن، ثم تزوج الأخرى بعد مدة وجيزة لتعينه على همِّ الدنيا مثلما كان يردد دوما. واستعاض بي، أنا ابن أخته، عن الأبناء الذين رسم صورهم في مخيلته، لكن تلك الصور ظلت جامدة لم يُكتب لها أن تتجسد أرواحا وأبدانا.
عندما غادرنا المنزل تسمرت أمي في مكانها وظلّت تلوِّح لنا بيمناها ، وبيسراها كانت تكفكف دمعة انحدرت على خدها. حاولتْ أن تظل رانية إلينا إلى آخر لحظة، كأنها تريد لصورتينا أن تنطبعا في ذاكرتها. عادت أدراجها ودلفت المنزل ولسانها يلهج بما تحفظ من دعوات صالحات. وعندما غبت وخالي بين منازل قريتنا المتناثرة أحست أن فؤادها ارتج وأن جزءا منه قد انسلخ عنها ورحل معنا. وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما قبل مغادرتنا:
- ما زال صغيرا عن الخروج في رحلة صيد.
لم يلتفت إليها خالي ولم يردّ عليها بكلمة.
- سيتعب وسيمرض وسيجوع وسيعطش.
حدجها بنظرة ثاقبة اهتزت لها روحها، لكنها أضافت:
لعل ما يمكن أن نقيس به مؤشرات نضج الدولة اجتماعيا وسياسيا، هي عند اقتراب الانتخابات بارتفاع النقاش المجتمعي، وبامتلاء الساحات بالوعود وباحتدام المنافسة بين البرامج والرؤى. لكن هناك أوطان أخرى، تقاس فيها حرارة الاستحقاقات بعدد الذين يغادرونها وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، متجهين به نحو بحر لا يمنح أحدا وعدا بالنجاة.
في السياق المغربي، وبينما تستعد الأحزاب السياسية لخوض انتخابات شتنبر المقبل حيث يدخل الفاعلون السياسيون سباق استمالة الناخبين، كان مشهد آخر يكتب على شاطئ مدينة الفنيدق بشمال المملكة. لم تكن هناك منصات خطابة ولا شعارات انتخابية ولا صناديق اقتراع، لكن كان هناك أكثر من ألف شاب مغربي يندفعون دفعة واحدة نحو البحر، متجهين إلى مدينة سبتة المغربية، الخاضعة للإدارة الإسبانية، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.
لسنا هنا بصدد إقامة علاقة سببية بين الانتخابات والهجرة، وإن بدت الصورة وكأنها مشهدان متوازيان داخل الوطن نفسه؛ فالهجرة ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقانونية. فهنا على اليابسة من يتنافسون على إقناع المواطنين بالبقاء داخل المشروع السياسي، وهناك بين الأمواج من يعلنون في صمت موجع أنهم فقدوا ثقتهم في انتظار المستقبل. غير أن التزامن بين الحدثين يفرض سؤالا مجتمعيا عميقا لا يمكن تجاهله، وهو ماذا يعني أن يختار آلاف الشباب خوض غمار البحر في اللحظة نفسها التي يطلب منهم فيها المشاركة في صناعة مستقبل "بلدهم" عبر صناديق الاقتراع ؟
لقد ساهم قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في الثامن من يوليوز 2026، والقاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يعترضون في البحر، في تغذية الاعتقاد بأن فرص الوصول أصبحت أكبر. لكن هذا الحكم القضائي، بقدر ما خلق أحلاما وأوهاما لدا الكثير من الشباب غذى لديهم أيضا فرصا أكبر للمجازفة. أما الحلم نفسه فقد ولد قبل ذلك بكثير داخل واقع يشعر فيه جزء من الشباب بأن الزمن يتحرك من حولهم بينما هم عالقون في المستنقع ذاته.
نصبتك في براح الروح تمثالا..
لا من حجر مصقول....
بل من يقين يمشي بين أضلعي....
من ماء قادر على رواء كل الفصول.
في أعلى قمة....خباتك
كيما تصلك رياح العبث الضالة....
ولا تتسرب اليك الغيوم السود...
تركت النوافذ مفتوحة
لتغمرك النسمات ...
و تعتاد النجوم حضورك
لم أكن أعرف...
المزيد من المواضيع
فلسفة وتربية
هل يمكن رسم السياسات التربوية والتعليمية الناجعة في عالم تقني متحول على الدوام؟ كيف يمكن للسياسات التربوية والتعليمية مواجهة التقلبات الناتجة عن التحولات التقنية والرقمية المتلاحقة؟ كيف يمكن للمنظومات التعليمية التعامل الإيجابي مع الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن رسم سياسات تعليمية قوية في وقت تقلصت فيه القدرة على الاستشراف والتوقع، بعد توالي التحولات التقنية والرقمية؟ كيف يمكن تحقيق التناغم بين عالم الشغل وعالم التعليم والتكوين، إذا كانت التحولات التقنية قوية، وتهدد المواضعات المهنية المستقرة ظرفيا؟ هل سيساعد الذكاء الاصطناعي على تقوية القدرات والكفاءات، أم سيكرس فقدان المهارات، نتيجة التعويل الزائد على الأدوات والآليات الرقمية في الإعداد والتشخيص والإنجاز والإنتاج؟ ما الكفاءات المطلوبة غدا، علما أن إيقاع تطور الذكاء الاصطناعي سيتسارع، وأن الانتقال من الذكاء الاصطناعي المحدود الحالي إلى الذكاء الاصطناعي العام المتوقع شبه حتمي؟
إن الذكاء الاصطناعي من التحديات الحضارية الجوهرية، حسب لوك فيري. فقد طرح هذا المفكر الفرنسي، في كتابه: «الذكاء الاصطناعي: الاستبدال الكبير أم التكاملية؟»، أسئلة جوهرية عن مستقبل الحضارة الإنسانية، في ضوء التوسع في استعمال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
هل يمكن المراهنة على التكاملية بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني، في زمان تراهن فيه الشركات الكبرى على ترسيخ سلطة الذكاء الاصطناعي، وتكريس محدودية الذكاء الإنساني وقدراته، من خلال تزايد تقلص المهارات والتعويل على الروبوتات، ولا سيما الروبوتات الشبيهة بالبشر (Les robots humanoïdes)؟ وهل يمكن، في ظل التحولات الرقمية وتطورات الذكاء الاصطناعي الآنية، تخصيص الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التكرارية، وتخصيص الذكاء الإنساني لأداء المهام ذات القيمة المضافة العالية؟
لا مراء في أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بعمق في السياسات التربوية والتعليمية؛ مما يفرض إجراءات وإصلاحات جوهرية، ومراجعة معمقة لكثير من الإبدالات البيداغوجية المكرسة.
صار من الضروري الآن التحكم والتمرس بالذكاء الاصطناعي، من أجل تطوير الثقافة الرقمية وامتلاك الفكر النقدي الملائم للاستعمالات الراهنة للرقمي وتطويره.
مما لا شك فيه أن للتعويل على الذكاء الاصطناعي مفاعيل على علائق التلاميذ بالمعرفة والعلوم والعالم، استتباعا.
وتراهن الحكومات في الغرب والجنوب، مبدئيا، على توظيف الآليات الرقمية والذكاء الاصطناعي، من أجل مسايرة التحولات الجوهرية، من خلال تكوين المكونين، وإدماج الآليات الرقمية في النظم التعليمية، والتجديد البيداغوجي.
مقدمة
استئناف القول الأنطولوجي هو أحد ملامح المشروع الفلسفي لألان باديو، الذي يسعى منذ أعماله الكبرى إلى إعادة تأسيس الفلسفة على أساس أنطولوجي صارم بعد عقود من الإعلان عن نهاية الميتافيزيقا أو اختزالها في اللغة أو التأويل أو التجربة الوجودية. يرى باديو أن الفلسفة فقدت قدرتها على قول الوجود بما هو وجود عندما استسلمت إما للنزعة الشعرية التي تجعل اللغة الشعرية مأوى الوجود، أو للنزعات التحليلية واللغوية التي تردّ كل شيء إلى الخطاب، أو للنزعات التاريخية التي تذيب الوجود في الصيرورة. وفي مواجهة هذه الاتجاهات، يستأنف باديو القول الأنطولوجي من خلال تقاطع ثلاثي حاسم: عودة مجددة إلى الأفلاطونية، ونقد جذري للأنطولوجيا الشعرية، وتأكيد أن الرياضيات هي الأنطولوجيا ذاتها.تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء هذا الاستئناف في أبعاده المتشابكة، مبرزة كيف يبني باديو أنطولوجيا المفرد المتعدد عبر الرياضيات، وكيف يستعيد الأفلاطونية دون الوقوع في مثالية مفارقة تقليدية، وكيف يرفض اختزال الوجود في القول الشعري مع الاعتراف بمكانة الفن ضمن إجراءات الحقيقة. وتنطلق المقاربة الفلسفية من فهم باديو للفلسفة بوصفها فكرًا للأحداث والحقائق، لا بوصفها تأملًا وجوديًا أو تحليلًا لغويًا. فماهو جوهر القول الفلسفي عند الان باديو؟ وماذا تمثل الأنطولوجي منه؟
أولًا: أزمة القول الأنطولوجي في الفلسفة المعاصرة وسياق استئنافه
شهدت الفلسفة في القرن العشرين تحولات عميقة أدت إلى تهميش الأنطولوجيا التقليدية أو إعادة صياغتها بطرق تبتعد عن الصرامة المفهومية. فمن جهة، أعلن هيدغر أن الميتافيزيقا نسيت الوجود وانشغلت بالموجودات، ودعا إلى فكر أكثر أصالة يقترب من الوجود عبر اللغة الشعرية والتفكير التأويلي. ومن جهة أخرى، سادت النزعات التحليلية التي اختزلت الفلسفة في تحليل اللغة والقضايا، والنزعات البنيوية وما بعد البنيوية التي ركزت على الخطاب والاختلاف والصيرورة دون الالتزام بقول صارم عن الوجود بما هو كذلك. في هذا السياق يظهر مشروع باديو بوصفه محاولة لاستعادة الفلسفة قدرتها على قول الوجود دون الرجوع إلى الجوهرانية القديمة أو الوقوع في النسبية. يرى باديو أن الفلسفة لا يمكن أن تستمر إذا تخلت عن الأنطولوجيا، لأن السؤال عن الوجود يظل السؤال الجذري. لكنه يرفض أن يكون هذا القول شعريًا أو تأويليًا أو تجريبيًا بالمعنى الضيق. البديل الذي يقدمه هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات وما تلاها من تطورات، بوصفها الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود الخالص بما هو متعدد خالص.هذا الاستئناف ليس عودة ساذجة إلى الماضي، بل هو إعادة بناء جذرية تستفيد من إنجازات الفكر الحديث، خاصة الثورة الكانتورية في الرياضيات، وتواجه التحديات التي طرحتها الفلسفة المعاصرة.
مقدمة:
يشكل التمييز بين «الصورة» (image) و«الشكل» (figure) إحدى الإشكاليات الأساسية في فلسفة الفن ودراسات الإعلام والثقافة البصرية. تبدو الكلمتان مترادفتين في الاستعمال اليومي، لكنهما تختلفان اختلافاً جوهرياً على المستويات المفهومية والأنطولوجية والفنية والسياقية. الصورة تشير إلى التمثيل البصري العام، الذي قد يكون ذهنياً أو مادياً أو افتراضياً، بينما يشير الشكل إلى البنية المنظَّمة، الملموسة، والمُشكَّلة التي تتجلى فيها الصورة كوجود فني أو وجودي محدد.
من هذا المنطلق، تعتمد هذه الدراسة على المقاربة الميديولوجية، التي طورها ريجيس ديبراي، والتي تنظر إلى الظواهر الثقافية لا كمحتوى مثالي منفصل عن وسائطه، بل كنتاج للتفاعل بين التقنيات المادية، والمؤسسات الاجتماعية، وأنظمة النقل الرمزي. الميديولوجيا تكشف كيف أن الوسيط (medium) ليس حاملاً محايداً، بل يُشكِّل طبيعة ما يحمله. من خلال هذه العدسة، سنستكشف المعايير الفنية والأنطولوجية التي تميز الصورة عن الشكل، وكيف تتغير هذه المعايير عبر السياقات التاريخية والتقنية. فكيف يمكن طرح إشكالية التمييز بين الصورة والشكل؟
التمييز المفهومي: الصورة كتمثيل والشكل كتجسيد
مفهومياً، الصورة هي ما يظهر أو يُمثِّل. إنها نسخة أو انعكاس أو إشارة إلى شيء آخر، سواء أكان ذلك الشيء موجوداً فعلاً أم متخيلاً. تمتلك الصورة طابعاً إيحائياً وغائباً: هي حاضرة غياباً. أما الشكل فيحمل طابع التجسيد والتحديد. الشكل ليس مجرد تمثيل، بل هو بنية مرئية منظمة تفرض نفسها على النظر كوجود قائم بذاته. في الخطاب الفلسفي، الصورة قريبة من «الصورة الذهنية» أو «التمثل» ، بينما الشكل أقرب إلى «الصورة التشكيلية» أو البنية الشكلية التي تمنح الهوية والوحدة. هذا التمييز يتجلى في اللغة نفسها: «image» في الإنجليزية والفرنسية تحمل دلالة النسخة والانطباع، بينما «figure» تشير إلى الخطوط، والمحددات، والتكوين. المقاربة الميديولوجية تضيف أن هذا التمييز ليس أبدياً بل مرتبط بوسائط الإنتاج: في اللوحة الزيتية التقليدية، يسيطر الشكل (التكوين، الخط، اللون المادي)، أما في الصورة الفوتوغرافية فتطغى الصورة كأثر ضوئي آلي.
" لا تتحول الأخطاء إلى أزمات لأنها تقع، بل لأنها تجد من يبرر استمرارها أكثر مما يسعى إلى تصحيحها " (الكاتب).
لا يخلو مجتمع من الأخطاء، كما لا يخلو إنسان من لحظات يخطئ فيها التقدير أو القرار. فالخطأ ليس استثناء في الحياة الاجتماعية، بل جزء من طبيعة الإنسان وحدود معرفته وتعقيد الواقع الذي يعيش فيه. غير أن الفارق الحقيقي بين الأفراد والمجتمعات لا يكمن في عدد الأخطاء التي يرتكبونها، وإنما في الكيفية التي يتعاملون بها معها. فهناك مجتمعات تنظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وإعادة النظر، وأخرى تنشغل بالدفاع عنه أكثر من انشغالها بفهم أسبابه. بذلك، لا يعود التبرير مجرد استجابة عابرة لموقف محرج، بل يبدأ في التحول تدريجياً إلى ثقافة تؤثر في طريقة التفكير، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي قدرة المجتمع على تصحيح مساره.
ويتراءى للوهلة الأولى أن التبرير فعل فردي يرتبط برغبة الإنسان في حماية صورته أمام الآخرين أو أمام نفسه. غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي لفهم الظاهرة في أبعادها الاجتماعية. فالإنسان لا يتعلم التبرير في فراغ، وإنما يكتسبه داخل بيئة اجتماعية تحدد له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، متى يعترف بخطئه، ومتى يبحث له عن الأعذار، ومتى يعد الدفاع عن الموقف دليلاً على الوفاء أو القوة. وهكذا لا ينشأ التبرير من نزعة شخصية فقط، بل يتشكل أيضاً داخل منظومة من القيم والعلاقات والانتماءات التي تمنح بعض أشكاله قبولاً اجتماعياً، حتى يغدو في كثير من الأحيان سلوكاً مألوفاً لا يثير الانتباه.
وعندئذ تبرز أهمية النظر إلى التبرير بوصفه ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون سلوكاً نفسياً. فالمجتمع لا يكتفي بتعليم أفراده ما ينبغي أن يفعلوه، بل يعلمهم أيضاً كيف يفسرون ما يفعلونه بعد وقوعه. وكثيراً ما تمنح الثقافة السائدة الأفراد لغة جاهزة للدفاع عن قراراتهم، فتخفف عنهم عبء المراجعة، وتعيد تقديم الخطأ في صورة يمكن التعايش معها أو تكرارها. ومع الزمن، لا يصبح التبرير مجرد وسيلة لحماية صورة الذات، بل يتحول إلى آلية اجتماعية تحمي استقرار المعتقدات السائدة، حتى وإن كانت تلك المعتقدات أحد أسباب المشكلات التي يعانيها المجتمع.
وتتجلى خطورة هذه الآلية عندما يصبح الاهتمام منصباً على البحث عن مبررات الخطأ أكثر من البحث عن جذوره. فعندئذ يتراجع السؤال " كيف نعالج المشكلة؟ " ليحل محله سؤال آخر أكثر حضوراً " كيف ندافع عن موقفنا؟ ". وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ تنتقل الأولوية من تصحيح الواقع إلى حماية الصورة، ومن مراجعة الأفكار إلى تبريرها، ومن مساءلة القرارات إلى البحث عن أسباب تجعلها تبدو مقبولة. ومع تكرار هذا النمط، تتكون ثقافة ترى في الاعتراف بالخطأ تهديداً للمكانة، بينما تنظر إلى التبرير بوصفه وسيلة للحفاظ على الهيبة أو الانتماء، فتغدو الحقيقة أقل تأثيراً من الرواية التي ينسجها المجتمع حولها.
المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه. المونديال ليس مجرد منافسة رياضية تحسم فيها النتائج بالأهداف، ولا مجرد احتفال عالمي تتزين فيه المدن بالأعلام والألوان. إنه في العمق، ظاهرة اجتماعية شاملة تكشف الكثير عن الإنسان المعاصر وعن حاجته الدائمة إلى المعنى وإلى الانتماء وإلى لحظة نادرة ينسى فيها إكراهات الواقع. فالكرة في زمننا، أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود وطقسا جماعيا يعيد تشكيل الوعي والانفعال ويصنع لحظات استثنائية من الإجماع العاطفي الذي تعجز السياسة والاقتصاد والدين أحيانا عن تحقيقه.
إن رياضة كرة القدم فن لكنها أيضا رقصة على ملعب الفراغ؛ تمريرات ومراوغات وأهداف تداعب الحقيقة والهموم والزمان، وتتمايل الأجساد بالتحليق قبل التصفيق وتتحول المدرجات إلى مسارح كبرى تنصهر فيها الطبقات الاجتماعية والهويات المتعددة في هوية واحدة "هوية الجمهور المشجع". إنها لحظة نادرة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته ويجد في انتصار فريقه تعويضا رمزيا عن إخفاقاته اليومية وفي جمال اللعبة عزاء عن قبح العالم.
لا يمكن أن نستوعب لعبة المونديال كحدث رياضي معزول، لكن باعتباره أيضا مؤسسة اجتماعية تنتج المعنى وتصنع الانتماء وتعيد إنتاج الأمل. أشار (إميل دوركايم) إلى أن المجتمعات تحتاج بين الفينة والأخرى إلى لحظات من "الفوران الجمعي"، حيث يشعر الأفراد بأنهم جزء من كيان أكبر منهم. وفي المونديال يتحقق هذا المعنى بوضوح؛ إذ تختفي الفوارق مؤقتا ويتحول ملايين الأفراد إلى جماهير تهتف بصوت واحد وتبكي وتفرح بإيقاع واحد كأنها تعيش طقسا مقدسا جديدا، غير أن هذه اللحظة برغم قوتها تبقى عابرة. فما أن يتم إطلاق صافرة النهاية حتى يعود الجميع إلى حياتهم اليومية، إلى البطالة وغلاء المعيشة والأزمات السياسية والقلق الاجتماعي وضغوط الحياة التي لم تتغير بانتهاء المباراة، ويبرز هنا سؤال الحقيقة وهو، ماذا بعد المونديال؟
"نَحْنُ لا نُمارِسُ النَّقْدَ مِنْ أَجْلِ النَّقْدِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِمَّا هُوَ مَيِّتٌ أَوْ مُتَخَشِّبٌ فِي كِيانِنا العَقْلِيِّ، وَإِرْثِنا الثَّقافِيِّ" . — مُحَمَّدُ عابِدُ الجابِرِيّ
" إِنَّ عَصْرَنا هُوَ عَصْرُ النَّقْدِ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْفَحْصِ النَّقْدِيِّ بِهَدَفِ قَبُولِهِ أَوْ رَفْضِهِ، وَبِالتَّالِي إِصْدارِ حُكْمٍ عَقْلانِيٍّ عَلَى ذَلِكَ." — إيمانويل كانْط.
1- مُقَدِّمَةٌ:
الفِكْرُ النَّقْدِيُّ يَخْدِشُ، يُهاجِمُ، يَكْتَسِحُ، يُدَمِّرُ، يَتَوَغَّلُ فِي الأَعْماقِ، يُفَكِّكُ، يَحْفِرُ، يَثِبُ إِلَى الأَعْلَى وَإِلَى الأَدْنَى وَالأَسْفَلِ، يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشَمالًا، يَهُبُّ كَالْعاصِفَةِ حِينًا، وَكَالإِعْصارِ أَحْيانًا، يَنْفَجِرُ كَالْبُرْكانِ مَرَّةً، وَيَتَحَرَّكُ كَالاهْتِزازاتِ الأَرْضِيَّةِ مِرارًا. إِنَّهُ مَفْهُومٌ دِينَامِيٌّ مُتَحَرِّكٌ، غاضِبٌ، يُزَمْجِرُ، يُهَدِّدُ، يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ، يُفَجِّرُ التَّقالِيدَ السَّاكِنَةَ، وَيَهُزُّ الأَفْكارَ الجامِدَةَ. إِنَّهُ هَدِيرُ العَقْلِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّقْدِ، وَزَمْجَرَةُ الوَعْيِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيكِ وَالتَّحْلِيلِ غَوْصًا فِي الطَّبَقاتِ الأَعْمَقِ لِلْوُجُودِ الاجْتِماعِيِّ. وَالنَّقْدُ، فِي كُلِّ الأَحْوالِ، يَهُزُّ أَرْكانَ الأَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ الاغْتِرابِيَّةِ الجامِدَةِ المُتَحَجِّرَةِ، وَيُحاوِلُ تَفْكِيكَها وتفنيدها والكشف عن خفاياها الأعمق، وَهُوَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلَى أَنْ يُفَكِّكَ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ وَيَهُزَّ الوَعْيَ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا.
لَقَدْ أَفْضَتْ حَرَكَةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ إِلَى تَوْلِيدِ مَنْظُوماتٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فاعِلَةٍ فِي مَجالِ التَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ خارِقَةٍ، وَنَماذِجَ تَحْلِيلِيَّةٍ عَمِيقَةِ الأَغْوارِ، وَأَنْماطٍ مَعْرِفِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي عُمْقِ المَفاهِيمِ، وَأَنْ تَتَوَغَّلَ فِي غَوْرِ الأَشْياءِ، وَنَماذِجَ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّحْلِيلِ الأَعْمَقِ لِخَفايا الأُمُورِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ تَمَّ التَّرْوِيجُ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِتَعْزِيزِ التَّفْكِيرِ مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا، وَالبَحْثِ الأَعْمَقِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ، بِطَرِيقَةِ الكَشْفِ عَمَّا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ، وَما كَمَنَ خَلْفَ السُّطُورِ، وَإِعْدادِ مُواطِنِينَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَقُدْرَةً عَلَى الفَهْمِ وَاسْتِيعابِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِها، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُقارَباتِ المُخْتَلِفَةَ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ فَإِنَّها تَخْتَلِفُ فِي اتِّجاهاتِها وَفِي تَعَيُّناتِها الفِكْرِيَّةِ.
2- مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ:
كَثِيرٌ مِنَ الأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ المُنْجَزَةِ، الَّتِي يَزْعُمُ كُتَّابُها بِأَنَّهُمْ يُمارِسُونَ المَناهِجَ النَّقْدِيَّةَ فِي أَعْمالِهِمْ، لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ نَمَطًا مِنَ المُمارَساتِ الفِكْرِيَّةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ أَنْساقًا مُحَدَّدَةً مِنَ المَهاراتِ تَحْتَ عُنْوانِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَهِيَ مَهاراتٌ فِكْرِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ تَقْرِيبًا. وَمَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَهاراتِ، فَإِنَّها تُمَثِّلُ نُسْخَةً وَهْمِيَّةً مِنَ الفِكْرِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يُخْتَزَلُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ سَطْحِيَّةٍ طافِيَةٍ. وَبِالقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الأَمْرُ كَذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ العَقْلانِيَّةِ الأَداتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَزِلُ المَعْرِفَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَداةٍ فِي سَبِيلِ أَهْدافٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَرْسُومَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعَلَى هَذا النَّحْوِ يُخْتَزَلُ النَّقْدُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ بِلا جَسَدٍ، وَإِلَى جَسَدٍ بِلا رُوحٍ أَوْ مَعْنًى، فِي خِدْمَةِ مَصالِحِ الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلَكِنَّنا، عَلَى خِلافِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ التِّقْنِيَّةِ المَهارِيَّةِ لِلنَّقْدِ، نَجِدُ أَنَّ النَّقْدَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ الفاعِلِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُنا مِنْ وَضْعِيَّةِ التَّفْكِيرِ السَّطْحِيِّ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ بِوَصْفِها تَخَصُّصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقَ الجُذُورِ ([1]).
كلمة لم تكن في أصلها سوى وصف لغوي عادي كأي وصف بريء، ثم تطوّرَ الوصف مع الزمن إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي، ثم جاء نشطاء متحمسون فجعلوا منه عنوانا مُجَمَّلا لهُوية شعب بعدما أخرجوه من سياقه، وزَيّنوه بجميل الأوصاف في عيون من يجهلونه ويجهلون سياقه.
ذلك الوصف بقناعِه الجميل تمكن بفعل الدعاية القوية للمتحمسين من التسلل إلى الخطاب الرسمي والأكاديمي.. فبلغ من سعة التداول ما جعله يتملص من حمولته التاريخية "المُخجلة" و يكتسب "شرعية"، كأننا هنا أمام عملية "إعادة تأهيل دلالي" تشبه في آلياتها ما يعرف بـ"تبييض الأموال"...
(1) ـ الحقيقة المُرة المخفية:
سبق أن بينا في مقال سابق أن كلمة "أمزيغ" في سياق جنوب شرق وجنوب المغرب على الأقل (شرق و جنوب جبال الأطلسين المتوسط و الكبير، على امتداد أحواض تافيلالت و درعة و سوس)، تحمل معنى "العرق الأبيض" في مقابل كلمة "حرطاني" (أحرضان) وما يماثلها التي تحمل معنى "العرق الأسود". وإذا قلنا جنوب شرق وجنوب المغرب، فإننا نقصد بذلك المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتحدث البربرية، وهذه الكتلة بأعرافها وذاكرتها الموغلة في القدم هي مرجعنا في ما نسطره هنا.
كلمة "أمزيغ" إذن هي من قبيل الوصف الذي لا يُستدعى إلا في مقابل مخالفه: فلا نقول "أمزيغ" إلا في مقابل "أحرضان"؛ هكذا وبكل بساطة. هذه الثنائية العرقية التي نجد لها صدًى قد يكون شاهدا قويا على عراقتها في كتب التاريخ القديم التي تتحدث عن ثنائية "الليبيين" و"الإثيوبيين" قبل أكثر من 2500 سنة ، وقبل أن يظهر في تاريخ بلاد المغرب ما يعرف بتجارة الرقيق.
غير أن تطور التاريخ الاجتماعي للمنطقة جعل ذلك الوصف العادي البريء ينزاح في دلالته إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي يُعلي من شأن العرق الأبيض، وينزل بشأن العرق الأسود إلى أدنى الدركات. حقيقة مرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن فصلها عن تاريخ البشرية جمعاء التي سارت قدما نحو "مركزية العرق الأبيض". وهكذا، فالخطاب التراتبي السائد ربط المزايا بالعرق الأبيض والرزايا بالعرق الأسود، حتى اعتقد الناس أن هذا الأخير لا يليق بانحطاطه المزعوم إلا أن يكون في رتبة أدنى تحت أقدام الرجل الأبيض، وفي خدمته على كل حال...
من رحم هذا الواقع العنصري المجحف ولد معنى "الرجل الحر النبيل": هو "حر" في مقابل "العبد" الأسود، و"نبيل" في مقابل "الحقير" الأسود. هذا النُّبل المزعوم ليس "خُلقا" محمودا كما توحي لنا بذلك أدبيات الحركة الأمازيغية وهي تتحدث بأسلوب عاطفي مغرق في الرومانسية عن معنى كلمة "أمزيغ" منزوعا من سياقه الاجتماعي..؛ بل هو مجرد "نُبْل خِلقي" مزعوم يستمد معناه من نُبل اللون، ونُبل الملامح..، ونبل العرق الأبيض عموما.
يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.
تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.
والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.
في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.
لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.
في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.
مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي
في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.
مقاطع أخرى
-
الدكتور إدريس بنسعيد هو عالم اجتماع وباحث أكاديمي مغربي بارز، يُعد من الوجوه الأكاديمية المعروفة في الساحة الفكرية والسوسيولوجية بالمغرب.
أبرز محطات مساره المهني والأكاديمي:
أستاذ التعليم العالي: يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
مجالات التخصص: تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الدين والتدين، قضايا الحداثة والإسلام، والتحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المغربي.
عضوية الجمعيات: يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع (AMAS)، ويساهم في تنسيق العديد من المجموعات البحثية مثل "مجموعة البحث في علم الاجتماع" (GRES).من أبرز مؤلفاته وأعماله:
ساهم الدكتور بنسعيد في تأليف وتحرير عدة دراسات سوسيولوجية هامة، منها:
الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب (بالاشتراك مع المختار الهراس).
الشباب الجامعي المغربي: القيم والاستراتيجيات.
المغرب كموضوع للسوسيولوجيا: نظريات وتجارب.
يُعرف بمواقفه النقدية حول "أزمة الديمقراطية" في المغرب وحاجة الدولة إلى إصلاحات بنيوية وصدمات سيكولوجية لاستعادة الثقة في المؤسسات. كما صدرت حول أعماله دراسات تكريمية، مثل كتاب "جدلية السلطة والمجتمع: مدخل إلى سوسيولوجيا إدريس بنسعيد". -
غسان كنفاني.. والتأسيس للأدب الفلسطيني بعد النكبة
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا في سنة 1936م، وعاش في مدينة يافا، ثمّ اضُطر للنزوح عنها تحت ضغط الاحتلال الصهيوني، وكان ذلك في سنة 1948م، ثم أقام لفترة وجيزة مع ذويه في جنوب لبنان، ثم بعدها انتقلت عائلته إلى دمشق، وقد عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.
عمل غسان منذ شبابه في مجال النضال الوطني، فقد عمل مدرساً للتربية الفنية في مدراس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينين في دمشق، ثم انتقل بعدها إلى الكويت في سنة 1965م، إذ عمل هناك معلماً للرياضة والرسم في مدارس الكويت الرسمية، وكان خلال هذه الفترة يعمل أيضاً في الصحافة، فقد بدأ إنتاجه وإبداعه الأدبي في نفس الفترة، ثم انتقل في سنة 1960م إلى مدينة بيروت، حيث عمل هناك محرراً أدبياً في جريدة الحرية الأسبوعية، ثم في عام 1963م أصبح رئيس تحرير لجريدة المحرر، كما عمل أيضاً في كل من جريدة الحوادث، والأنوار حتى سنة 1969م، ثم بعدها أسس صحيفة الهدف، وظل رئيس تحريرها لفترة من الزمن.يعد غسان كنفاني نموذجاً مثالياً للروائي، والكاتب السياسي، والقاص الناقد، فقد كان مبدعاً معروفاً في كتاباته، كما كان مبدعاً في نضاله وحياته، وقد حصل على جائزة في عام 1966م بعنوان أصدقاء الكتاب في لبنان، وكان ذلك لرواية (ما تبقى لكم) والتي أاعتبرت وقتها أفضل رواياته، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب إقريقيا وآسيا في عام 1975م.
أشهر روايات غسان كنفاني:
عائد إلى حيفا. رجال من الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر.
وفاة غسان كنفاني:
استشهد الروائي غسان كنفاني يوم السبت صباحاً بتاريخ 8 /7/ 1972، وكان ذلك بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته، والتي وضعت من قبل جهة معينة بهدف اغتياله. -
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة.
فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، فرنسا. عمل في عدة منشورات ومجلات ثقافيّة فكريّة منها: شؤون فلسطينيّة، سلسلة حصاد الفكر العربي...إلخ. نشر العديد من المقالات والمؤلفات، منها: "ذاكرة المغلوبين" (2001)، و"الرواية وتأويل التاريخ"(2004)، و"الحداثة المتقهقرة" (2005). فاز بعدة جوائز عربية، منها: جائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين سنة 2004، وجائزة الدراسات الأدبية والنقد سنة 2010. -
ندوة الثقافة و الثورة للشهيد مهدي عامل
سيداً في ملكوت الكلام، عالمياً، متعالياً، بالتأمل يحيا، وللتأمل. هكذا كان الفكر، على امتداد قرون خلت، في انفصام مع الواقع، له الثبات المطلق، وللتاريخ المادي التّغير والحركة.
كان يحلو له بين حين وحين، أن يُطِلَّ من علياء تجريده على الواقع، فيدينه تارة، وغالباً ما يعذره. لكنّه من خارج كان يحكم، وما كان يقوى عليه. وكان، حين يتوق إلى واقع آخر، أو أفضل، يحكم، أو يتخيل، أعني يتأول. وما كان يرتبط بقوى التغيير الثوري حين كان يطمح إليه. وما كان يدرك شروط هذا التغيير وأدواته. لذا، كان يجنح نحو الطوباوية، في أشكال شتّى، فيقدم للواقع ذريعة بقاءٍ وحجة تأبُّد.أيّ موقع كان يمكن أن يكون للمثقف في مثل هذا الانفصام المتجدد بين الفكر والواقع؟
موقع المنبوذ، أو موقع خادم السلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيّر. كان يرفض، أحيانا، أو يُبَرّر. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إنّ خرجَ على السائد ونظامه، كأّنه محكوم بموت يتأجل. يحتج على الشرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشرع. فيتصوّف. يستبدل الأرض بالسماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فَيُعقلِنُ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسلطة، بالدين، تبدو مطلقة. وهي المقدسة، في الغيب وبالغيب. وهي السلطةُ، فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، والرقاب خاضعةٌ، راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرد. إذّاك يُحَلُّ دمُه. حتّى لو كان الحلاجَ، أو السهر وردي. أما ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التمرد والمتمردين، في كل عصر، يشهران سلاح الدين، سلاح السلطة، فيكبلان العقل، يرهبان الروح، ويئدان الجسد
لم يكن للمثقف، في عالم كهذا، سوى أن يختار بين الاستتباع أو الموت، بين أن ينطق بلغة الاستبداد ونظامه، أو أن ينطق بلغة الصمت، أعني بلغة المكبوت ورموزه. هكذا كانت الثقافة تجري في صراع بين اثنتين: واحدة هي ثقافة الأسياد، بتياراتها المختلفة المتباينة، أو أخرى هي ثقافة المقهورين، بأنواعها المتعددة. لم تكن الثقافة يوما واحدة، وليس من الجائز حصرها في ثقافة رسمية، أو مسيطرة، أو معلنة. كانت ثقافة مناهضةٌ لهذه، مكبوتةٌ، مستترة، لعلها أكثر شيوعاً من الأولى، أو أصدق تعبيرا عن ضمير الناس وطموحاتهم. كانت، مثلاً، في حكايات ألف ليلة وليلة، أو في عروض خيال الظل، أو في سير الأبطال الشعبية. وهي، بالتأكيد، أكثر تمردا على الواقع القائم، وأشد رفضاً له. لكنها عاجزة كانت عن تغيير العالم، فيما هي كانت تطمح إليه.
ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها. ومن شروط الثورة أن يتوفر لها وعي متّسق، إليه تستند، وبه تستبق الممكن. أعني الضروري. ومن شروطها أن يتجسد وعيها المتسق هذا، أي العلمي، وفي وعي القائمين بها، جماهير الكادحين، المنتجين بأيديهم وأدمغتهم، صانعي التاريخ، بوعيهم الممارسيّ يستحيل الوعي النظري قوةً ماديةً تَدُكُّ أعمدة القائم، وتهيئ لولادة الجديد.
لمن يكن للثقافة، في زمن انفصام الفكر عن الواقع، دورٌ في تغيير العالم، إلا ما لا يكاد يذكر. كانت، كلما حاولت القيام بهذا الدور، تُقمع وتُهان، باسم الدين غالباً، وبتهمة الكفر أو الزندقة، وبتهمة التحريف أو الهرطقة. فالثقافي، حتى في ثقافة الأسياد، يرتدّ عليهم وعليها، فهو المبتدعُ في فعل الحرية، يتهدد ويزعزع. إنها القاعدة في كل العصور: كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت، إلى النار ضد الرماد، وإلى الحياة والحلم، اضطُهِدت واضطُهِدَ المثقفون، أحباءُ الحرية و الآفاق الزرقاء الرحبة. إنها البداهة في ضرورة أن يكون المثقف ثائرا، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ، ضد كل ظلامية، أو لا تكون.
تلك مشكلة المثقف والثقافة بامتياز. وهي قضية الثورة في آن.
ثم التحمت، لأول مرة في تاريخ الفكر، نظرية الثورة بحركة الثورة، فالتأم الفكر، في نشاطه المعرف نفسه، بقوى التغيير، فلم تعد الثورة تفتقد فكرها، ولم يعد الفكر سجين تأملاته. لقد بات الممكن قابلا للتحقيق، فهو الضروري في حركة التاريخ المادي، لا يتحقق إلا بنضال ثوري. والنضال وعدُ الكادحين بأن أنظمة الرجعية والاستبداد إلى زوال. وللنضال شروطٌ وأشكالٌ وأدوات. من شروطه أن يهتدي بعلم الثورة، أعني بتلك النظرية التي أسّسها ماركس، وأقامت ثورات الشعوب المضطهدة على صحتها البرهان، بالملموس التاريخي. ومن أشكاله ما تمارسه قوى المقاومة الوطنية في كفاحها ضد الاحتلال، وضد الفاشية والطائفية. ومن أدواته الأولى الحزب الثوري. حزب العمال والفلاحين والمثقفين.
منذ أن التحمت النظرية بالثورة، لم تعد الثقافة حكرا على نخبة من الكهنة. فلقد عمت ضرورتها حتى بات على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفاً، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحاً. والإنتاجان واحدٌ في سيرورة التاريخ الثوري، هذا الذي يؤسس لحرية اليد المبدعة. ليست الثقافة كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها تَمَلُّكٌ للعالم في حلم، أو حقل أو مصنع. أما المثقفون، فهم المنتجون، بأيديهم وأدمغتهم، ضد أنظمة القمع والاستغلال والجهالة، فكراً، فناً وجمالاً هو حبّ للحياة. وأما غير المنتجين، القابعين في قبحهم، فهم الأسياد بأنظمتهم. وأما هدم الأنظمة، فهو مهمة الثورة في كل آن.
والثورة في لبنان ما تزال فاعلةً في سيرورة حرب أهلية فجرتها الرجعية لإنقاذ نظامها الطائفي وفرض الفاشية، فانقلب عليها، وعلى نظامها، ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي التي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدى لجديد ينهض في حجرشة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.
إذن، فليدخل الفكرُ المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليَقِظُ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجَأ : يتوثّب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق تتسعُ لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى التعقلنِ في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
والحرب في لبنان حربان: حرب على إسرائيل، وحرب على الفاشية والطائفية، لكن الرجعية، بأطرافها المتعددة، تستميت في محاولة إظهارها مظهر الحرب الطائفية. وتفشل دوما في المحاولة، برغم كل ما أحاط وما يحيط بهذه الحرب من وحول الطوائف. وكيف تكون الحرب طائفية حين يكون الموقف من إسرائيل، مثلا، محوراً للصراع فيها؟ وكيف تكون طائفية حين يحتدم فيها الصراع بين القوى الرجعية ـالطائفيةـ وهي من مختلف الطوائف ـوالقوى الوطنية الديمقراطيةـ وهي أيضا من طوائف متعددةـ، حول الموقف من هوية لبنان، أو من الثورة الفلسطينية، أو من الامبريالية، أو من الاحتلال الإسرائيلي، أو من قوات الحلف الأطلسي، أو من اتفاق 17 أيّار، أو الاتفاق الثلاثي نفسه، ومن “الاقتصاد الحر” أيضاً، بل حتى من الطائفيّة إياها، بما هي النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية؟
ليست الحرب طائفية، ولا الصراع فيها بطائفي. إنه، في أساسه، صراع بين قوى التغيير الثوري للنظام السياسي الطائفي، والقوى الفاشية الطائفية التي تحاول، عبثاً، تأييد هذا النظام. إنه، باختصار، صراع طبقي عنيف بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة، في سيرورة حرب أهليةٍ هي في لبنان سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. فله، اذن، سمة العصر في زمن الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وله، تالياً، طابع كوني هو طابع الصراع إياه المحتدم، ليس بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الامبريالية، أفقياً، وحسب، بل رأسياً أيضاً، أو عمودياً، في كلٍّ من بلدان المنظومة الرأسمالية العالمية، بما فيها، بالطبع، البلدان العربية. فما هو موقع الثقافة والمثقفين من هذا الصراع؟ ما هو موقفها وموقفهم منه؟ ما هو دورها ودورهم؟.
والسؤال لا ينحصر في لبنان، ما دام الصراع فيه هو إياه، بطابعه الكوني نفسه، في جميع البلدان العربية، وإن اختلفت شروطه بين بلد وآخر، وتنوّعت أشكاله، أو تفاوت تطوره. فالحروب الأهلية تتهدد بلدان العالم العربي جميعها بلا استثناء، وآلية الصراع فيها تنبئ بإمكان اندلاعها في كل آن. وأنظمة البرجوازيات العربية في أزمة. والتغيير الثوري بات ضرورة ملحة في كلّ منها، وحاجة يومية في نضال الجماهير الكادحة. لكن الثورة في انتظار قيادتها. والثورة سيرورة طويلة معقدة، ولها مراحل وأحوال. وعلى الثقافة تطرح سؤالها: أمع الثورة أم ضدّها؟ وعلى المثقفين تطرح السؤال: أمع التغيير أم ضدّه؟ والسؤال سياسي بامتياز. وثقافي في آن.
لا تعارض بين السياسة والثقافة. وكيف يكون تعارضٌ بين الاثنتين، كيف يصح اختيار الواحدة ضدّ الأخرى في منظور التاريخ الثوري؟ لئن كانت في البدء الكلمةُ، فلقد كانت، بدئيا، مبدعة. وللحرية كانت، ضد القمع، تناضل وتثابر في رفض الظلم، وللحب كانت في قلب الإنسان. تؤسس في فعل التغيير معناها. وتجود بالجميل يحتج على قبح العالم في نُظُم الاستبداد. هكذا تتكون الثقافة دوماً ضدّيّاً، تنمو وتتكامل في صراع مستمر ضد كل قديم يموت. وفي البدء كانت السياسةُ، صراعاً مستمراً بين قوى التغيير الثوري وقوى تأبيد الواقع. يخطئ من يظن أن السياسة نظام، حكم، أو مؤسسات، أو أنها بالدولة تتحدد. إنها، في ذلك، من موقع نظر البرجوازية وإيديولوجيتها المسيطرة. لكنها، في منظور العلم والتاريخ، صراع طبقي شاملٌ كلّ حقول الحياة، لا هامش فيه للرافض، بالوهم، أن يكون له فيه موقع. إنها حركة التاريخ في مجرى صراع له المتن، والهامش فقط لمن قد مات، أو كان، من موقعه في الماضي، رفيقَ دربٍ للموت.
إذن لكل ناشط في الحياة أن يأخذ موقعاً وأن يحدد موقفاً: أمع الثورة أم ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة. والثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الأرض.
وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ فلتتوضح كل المواقف، ولتتحدد كل المواقع، ولتكن المجابهة في الضوء. كيف يمكن للثقافة أن يكون لها موقع الهامش في معركة التغيير الثوري ضد الفاشية والطائفية؟ كيف يمكن للمثقف أن يستقيل من نضال ينتصر للديمقراطية، هو أكسجين الفكر والأدب والفن؟ بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية، غي لبنان الحرب الأهلية، وفي كل بلد من عالمنا العربي، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقّف مزيف، وثقافته مخادعة مرائية. إذا تكلم عن الثورة، في شعره أو نثره، فعلى الثورة بالمجرد يتكلم، من خارج كل زمان ومكان، لا عليها في حركة التاريخ الفعلية، وشروطها الملموسة. وإذ يعلن، في نرجسية حمقاء أنّه يريدها، فبيضاء لا تهدم ولا تغيّر. تُبقي القائم بنظامه، وتحنّ إليه إذا تزلزل أو احتضر. كثيرون هم الذين في لبنان يحنّنون إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية، ويريدون التغيير للعودة إلى الماضي، ويريدونه إيقافا لانهيارات الزمان. أما الآتي، فمن الغيب، إلى الغيب. إنه موقف المنهزم، لا بصراعٍ، بل بتسليمٍ واستكانة. إنه موقف من يُصنعُ التاريخ بدونه. وله في التاريخ موقعٌ ترفضه الثقافة، إذ الثقافة، في تعريفها، مقاومة. فإذا ساوت بين القاتل والقتيل انهزمت في عدميتها، فانتصر القاتل، وكانت، في صمتها، شريكته.
أيُّ ثقافة هذه التي تتساوى فيها الأضداد، فيختلط الأسود بالأبيض في رمادية اللون والمعنى؟ إنها الثقافة المسيطرة بسيطرة البرجوازية وإيديولوجيتها، في أشكال منها قد تتخالف، لكنها، في اللحظات التاريخية الحاسمة، دوما تتحالف ضد الثقافة الثورية النقيض. هكذا تنعقد بين العدمية والظلامية مثلا، أو بين هذه وتلك، وأشكال من الفكر الديني، تحالفاتٌ ترعاها البرجوازية، بل تتوسلها في مجابهة الفكر المادي، محور الثقافة الثورية وقطبها الجاذب. أليسَ من الطبيعي أن ينعقد التحالف وطيداً في مجرى هذه الثقافة بين جميع المثقفين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، الطامحين إلى تغيير العالم وتحريره من سيطرة الرجعية والامبريالية؟ أليس من الضروري أن تتشابك أيدي الكادحين جميعاً ـفي زمن الثورات العلميةـ ضد الجهل تُعمِّمهُ أنظمة البرجوازيات العربية؟
فرحة للثقافة والمثقفين أن تتهاوى أنظمة القمع هذه في كل أرجاء الوطن العربي، بفعل نضال الثوريين يتوحدون، على اختلاف تياراتهم وانتماأتهم الفكرية والسياسية، في حركة ثورية جديدة واحدة، تعيد إلى العالم نضارته، وبها التاريخ يستوثق. فالثورة ليست حكراً على فكر، أو حزب، أو طبقة. إنها سيرورة تتكامل في الاختلاف، وتغتني بروافد التغيير تصبّ فيها من كل صوب، في كل مرحلة. لكنها تتعطل، أو تظل زاحفة، أو منحرفة، إن لم يكن للطبقة العاملة فيها موقعٌ هو موقع الطبقة الهيمنيّة النقيض، ودورٌ هو دورها التاريخي نفسه، ليس في قيادة الانتقال إلى الاشتراكية وحسب، بل في كل مرحلة من سيرورة هذا الانتقال. لا بقرارٍ، بل بالممارسة الثورية، وعلى قاعدة نهجها الطبقي الصحيح، وبقيادة حزبها الشيوعي، تحتل الطبقة العاملة موقعها ذاك في الحركة الثورية، وتضطلع بدورها. والتاريخ الثوري لا يرحم متخلّفاً عنه، ولا هو يسير بعكس منطقه. فلئن فعل، فلِأجلٍ، لا تلبث، بعده، أن تستعيد سيرورته الثورية منطقها. ومنطقها أن تنتكس الثورة، حتى في طابعها الوطني الديمقراطي، فتراوحَ، فتنهزمَ إلى مواقع رجعية، كلما استأثرت بقيادتها قوى غيرُ هيمنية، من فئات وسطية تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية، همّها الأول ألا تستكمل الثورة سيرورتها، بحسب منطقها الضروري في تقويض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بارتباطها التبعي بالامبريالية، وفي إقامة السلطة السياسية الثورية القادرة على انجاز هذه المهمة.
بين منطق الثورة ومنطق هذه القيادة غير الثورية تناقضٌ يشل الحركة الثورية ويضعها في أزمة تنعكس في ممارسات سلطوية قمعية ضد قوى الثورة وجماهيرها، وبالتحديد، ضد الطبقة العاملة التي هي، بحزبها الطليعي ونهجها الوطني الصحيح، النقيض الثوري. إنّ الحل الجذري لتلك التناقضات بات يفرض، بضرورة منطقه، ضرورة تغيير تلك القيادة الطبقية لسيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية، واستنهاض حركة ثورية هي، في اتساقها مع مهماتها، من نوع جديد، ولها وحدها القيادة. ومن أولى خصائصها، أن تسعى فيها الطبقة الهيمنية النقيض إلى أن يكون نهجها الطبقي نفسه، في سعيها إلى السلطة، نهج الحركة بكاملها. لا بالقمع، بالممارسة الديمقراطية الثورية.
لئن كان القمع أو الفئوية، في لغة أخرى، أو الاستئثار بالسلطة، أو الانفراد بالقيادة هو الشكل الطبقي الذي يحكم علاقة القوى غير الهيمنية، في وجودها في موقع الهيمنة الطبقية، بأطراف التحالف الطبقي الثوري، وكان، بالتالي ضروريا بضرورة التناقض في أن تحتل تلك القوى هذا الموقع، فإن الديمقراطية، كناظم للعلاقة بين أطراف التحالف إياه، وحق للجميع في الاختلاف، واحترامٍ لهذا الحق وممارسته، أقول إن الديمقراطية هذه هي، بالعكس، الشكل الطبيعي، أعني الضروري، الذي يحكم علاقة الطبقية. ذلك أن علاقة الاتّساق والتلاؤم بينها وبين موقعها هذا هي، بالضبط، الأساس المادي لضرورة الديمقراطية في علاقة القوى الثورية بعضها ببعض. وهي ضمانة تحقق هذه الضرورة.
آخر المواضيع في
مقدمة:
من منظور سوسيولوجيا الأدب، كل نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية تجرى عبر واقع متخيل، ورغم كل ما يمكن أن يضعه الأديب من شروط موضوعية لممارسة إبداعه، إلا أن المجتمع يلقى بظلاله على سيرورة العملية الإبداعية، بل ويوجه مساراتها في كثير من الأحيان، فالأدب على خلاف ما يرى أنصار التحليل النفسي، ليس نتاجاً ذهنياً نفسياً خالصاً، بل هو محصلة لتداخل عوامل مجتمعية يحضر فيها النفسي والجمعي والتاريخي، فالمجتمع ملازم للأدب في شروط إنتاجه وتفاصيله أيضاً. والأديب ابن مجتمعه يتأثر بما يتأثر به أفراد المجتمع، وينعكس على إبداعه ما يسود مجتمعه من عادات وتقاليد وعقائد ونظم ومبادئ وأفكار، وهو يعبر عن هموم مجتمعه وآماله مثلما يعبر عن تجاربه وأحاسيسه، ولا يتوقف عند حدود تصوير الواقع كما هو بل يعبر عن رؤيته لإعادة تشكيل الواقع وصياغته.
ويُعد الانتقام أو الثأر للنفس ممن ظلمها أو خانها أو انتقص من حقوقها، جزءا من طبيعة البشر والمجتمعات الإنسانية، ولما كان الخطاب الأدبي ليس مجرد بنية لسانية محايدة، بل هو بنية اجتماعية وتاريخية وسيكولوجية، تحمل ملامح العصر والواقع الاجتماعي ورؤى مُنتِج الخطاب السردي، فقد حفل الأدب بصفة عامة، والرواية بصفة خاصة، بالعديد من الأعمال الإبداعية التي تتناول فكرة الانتقام، بل إن أنجح الأعمال الإبداعية والدرامية على مر التاريخ هي تلك التي قامت على فكرة الانتقام، وقدمت صياغات عميقة لمشاعر الراحة التي تغمر الإنسان الغاضب بعد الانتقام، وهو ما دفع العديد من علماء الاجتماع والنفس للبحث المتعمق حول هذا الجانب الإيجابي وراء فكرة الانتقام.
حيث يرى علم النفس الحديث أن الرغبة في الانتقام تنبع من محاولة الفرد اللاشعورية لتعويض الشعور بالعجز والضعف الناجم عن التعرض للأذى، فالانتقام بمثابة دفاع عن الذات ضد الانتهاك، وحماية لها من الانهيار. كما يربط علم الاجتماع الحديث الانتقام بفكرة الضبط الاجتماعي وانهيار الثقة في العدالة المؤسسية؛ فكلما ضعفت سيادة القانون، زاد لجوء الأفراد إلى الثأر الشخصي لتحقيق العدالة الخاصة بهم وإعادة التوازن الاجتماعي المفقود.
ومن العلماء المعاصرين الذين اهتموا بهذه الفكرة، عالم النفس التطوري بجامعة ميامي مايكل ماكولاه، الذي أمضى ما يزيد على عشر سنوات في دراسة الثأر والصفح، وأكد في كتابه الصادر عام 2008 والمعنون: (ما وراء الانتقام: تطور غريزة التسامح Beyond Revenge: the Evolution of the Forgiveness Instinct) أن الناس في جميع المجتمعات يدركون فكرة الغضب والرغبة في رد الإيذاء بمثله. وأن ما يصل إلى 20 في المئة من جرائم القتل و60 في المئة من حوادث إطلاق النار في المدارس كان لها صلة بالانتقام.
كذلك هناك ارتباط لا ينفصم بين الخيانة - خاصة ما يتعلق بالشرف - وبين الانتقام، وهو ما أكد عليه الفيلسوف وايتلي كوفمان في كتابه: (الشرف والانتقام: نظرية العقاب Honor and Revenge: A Theory of Punishment) الصادر عام 2013، فالانتقام في حد ذاته يعيد شرف الشخص المسلوب. وهو ما يجعل الانتقام مقنعا ومُرضيا للغاية، سواء تم تنفيذه من خلال أفعال انتقامية عفوية، أو عن طريق أعمال انتقام محسوبة ومخطط لها.
بحثت عن نفسي في حياتك المزدحمة، بمحاولات النجاة، فلا أجد لي فيها أثرًا. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التمعّن لأفهم أن كياني ما هو إلا ثِقَلٌ إضافيّ في يومك.
حقيقةً، لا أريد أن أستعجل الحكم على هذا النمط؛ وأعذرك، لأنني أعرف أن الحياة لم تكن سهلة عليك، ولا عادلةً معك. لم تكن حياتك لك وحدك يومًا، وكما يبدو، أنها لن تكون كذلك.
كنتُ أتأمل، هذه الظهيرة، غبارًا تصاعد خلف بَجّاجٍ مستعجل. هذه العربات التي لطالما نجحتْ في إخافتي في مدينة مقديشو؛ العاصمة المتقلّبة، المُقبلة على ألوان شتّى من الأنماط المعيشيّة.
وجدتُ نفسي وقد اعتدتُ ـ نوعًا ما ـ على اللامبالاة الممزوجة بالشحوب. ولا أخفيك سرًّا، يا عزيزي، لقد اشتقتُ إليك إلى الدرجة التي اعتدتُ فيها غيابك.
وهذه آليةُ بقاءٍ طوّرها عقلي مع قلبي، حفاظًا على سلامي الوجداني.
الشمس هنا حنونة جدًا، بعد جرعاتٍ متفرقة من المطر. ولا ينظر العابرون حولهم حتى حين يقطعون الشارع؛ العيون لا تلتقي كثيرًا، وإن فعلتْ، فعلى سبيل السخرية أو الفضول.
ثلاثون يومًا يزيد معها أسبوع.
مقدمة
تزخر المكتبة العربيّة بالكثير من الروايات عن فلسطين كقضيّة أرض وإنسان وهويّة أصيلة تناولت معظمُها الاحتلال والتهجير ومعاناة الفلسطينيّين. وفي الحديث عن فلسطين في الرواية العربيّة نتناول في هذه الدراسة رواية "شرق النخيل" للأديب بهاء طاهر التي يدور جزء من أحداثها في زمن النكبة العام 1948 وزمن النكسة عام 1967، وإضافة لحكاية النضال الفلسطينيّ وكيف يعمل الاحتلال الإسرائيليّ على سلب الفلسطينيّين حقَّهم بالعيش بكرامة في أرضهم التي لا أرض لهم سواها. وقد تميّزت الروايات العربيّة، ومنها رواية شرق النخيل، بنقل الحكاية الفلسطينيّة بلغة نثريّة وأسلوب فنيّ سلّط الضوء على صدمة النكسة وتأثيرها على الواقع العربيّ وفلسطين، من خلال الحديث عن الحب والسياسة في حياة طلاب الجامعة، وتفاصيل العلاقات الأسريّة حيث فلسطين في الرواية العربيّة هي جزء من تكوين الوجدان الشعبيّ بعيداً عن الأدب الخطابيّ عبر الحكاية والسرد الذي يخترق العقل والعاطفة. وبعد هزيمة عام 1967 استطاعت الرواية العربيّة ترك بصمة مميّزة في تناول سيرة فلسطين ومسيرتها بخاصة في مصر التي هي الأسبق في الحياة الأدبيّة، حيث لم تغب فلسطين عن الحضور في وجدان العرب والمصريّين بالكثير من الروايات، ومنها رواية شرق النخيل التي تناولت ما تعرّضت له قضيّة فلسطين من أكاذيب وإحباط وخيبات أمل، ولكنّها بقيت حاضرة كقضيّة أرض وانتماء وإنسان في الرواية العربيّة التي هي رواية الفلسطينيّين منذ ما قبل النكبة وما بعد النكبة بأقلام المبدعين العرب.
الفصل الأول:
حكاية الأرض
تركت نكبة فلسطين واقتلاع الفلسطينيّين من أرضهم ومن ثم النكسة، بصمات مؤثّرة في الرواية العربيّة التي تحدّثت عن كفاح الشعب الفلسطينيّ من أجل الأرض والحريّة والاستقلال في ظل الأطماع الإسرائيليّة بالأرض التي هي محور الصراع، وقد عكست رواية شرق النخيل مرارة الهزيمة، كما أكّدت الإحساس العميق بالقضيّة العربيّة الأولى المتمثلة بضياع أرض فلسطين، ولم يمارس بهاء طاهر الوصف في رواية شرق النخيل بل لجأ إلى الرمز لمنح الرواية سمة الإجلال دون مباشرة أو عظة.
وفلسطين وحكاية الأرض في رواية شرق النخيل ظهرت من خلال تناول الدعاية الصهيونيّة التي اتهمت الفلسطينيّين ببيع أرضهم، وبسبب هذه الدعاية لا يحقّ لهم أن يطالبوا باستعادتها. وهذه الدعاية انتشرت وملأت الأرجاء بين الكثير من العرب، وساعد الإسرائيليّون في نشرها وأصبحت تُتناقل بصفتها اتهاماً يوجّه إلى الفلسطينيّين، رغم الكثير من الحقائق والدراسات التي تنفي حصول ذلك في نطاق ما يُسمّى بالتفريط بالأرض وبيعها والتخلّي عنها. ورغم أن رواية شرق النخيل "تدرس جانباً اجتماعياً مهماً، وهو علاقة الطلبة الجامعيّين بعضهم ببعض، وانعكاس نبض الشارع الجامعيّ إزاء القضايا العامة، وتشكيل مزاجهم العام بعد هزيمة حزيران، القائم على القلق والحماسة وفقدان التوازن وانعدام التقدم"(1)، لكنّها في سرد دعاية بيع الفلسطينيّين أرضهم، تظهر حين يقول سمير في رواية شرق النخيل "كنتُ أقول هذا الكلام لعصام وأنا أمزح معه، أقول له أنتم بعتم أرضكم لليهود فلا داعي للتظاهر بالحزن ولا لعبارات "الوطن السليب" و"عائدون" و"أجراس العودة" وما أشبه، ولكن لا تهتمّ يا عصام فنحن سنحرّر لكم الوطن السليب ونعيدكم إليه رغم أنوفكم، سنحرمكم من الثروات الفاحشة التي تجمعونها وأنتم تتظاهرون بأنكم لاجئون مساكين"(2). وجاء هذا الكلام في سياق الرمز والدلالة ومحاولة الإضاءة على الظروف المحيطة بخسارة الأرض عبر شخصيّات الرواية التي تلتقي وتتصارع بخط بارز يؤرّخ للوعي وسط التداخل بين الزمان والمكان، واللحظات المختلفة بسرد نثريّ بعيد عن نشرات الأخبار والخطب ووصف الأحداث التي تؤكّد بأن الفلسطينيّين يتمسّكون بأرضهم ولا يتنازلون عنها ونصفهم لم يخرج منها حين وقوع النكبة، ونصفهم في الشتات يكافح من أجل العودة إلى الأرض وزراعتها وإنتاج المحاصيل نفسها التي كان يزرعها الأجداد من زيتون وفواكه وقمح وشعير وخضار، بخاصة في الريف الفلسطينيّ الأكثر حفاظاً على الأرض والهويّة بحماسة وجدّيّة مطلقة.
مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا. لكن وراء هذا الرقم حقيقة صارخة:
- معامل "جيني" للاختلال في توزيع الثروة في المغرب يبلغ نحو 40.5 وفق البنك الدولي، وهو مؤشر يكشف أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء ظل مرتفعا وثابتا حتى في سنوات النمو.
- نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يتجاوز 3,672 دولار سنة 2023، مما يبقي المغرب عالقا في "فخ الدخل المتوسط" الذي حذرت منه دراسات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- ثلاثة أرباع السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، مما يعني أن النمو نفسه يتمركز جغرافيا بدل أن يتوزع.
إن النمو الاقتصادي في المغرب يشبه إلى حد ما "تلك الكعكة التي يتوسع حجمها دون أن تتسع شرائحها". عبارة لا تتبناها منظمة دولية فحسب، إذ هي خلاصة ما رصده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في مسحه الاقتصادي للمغرب سنة 2024، حين لاحظ أن الاستثمار الأجنبي المباشر كان قويا، لكن الاستثمار المحلي الخاص ظل هشا، وأن الشركات المغربية تواجه عقبات هيكلية تحول دون مشاركتها الفاعلة في منظومة النمو، وأبعد من ذلك فكم من مقاولة صغرى أعلنت إفلاسها، بحيث تفيد المعطيات والتقارير الصادرة عن الهيئات المهنية ومكاتب الدراسات المالية في المغرب بأن قطاع الأعمال شهد موجة إفلاس قياسي طال النسيج المقاولاتي، نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها مستويات التضخم المرتفعة، وغلاء المواد الأولية، وشح التمويل.
تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.
لعل ما يمكن أن نقيس به مؤشرات نضج الدولة اجتماعيا وسياسيا، هي عند اقتراب الانتخابات بارتفاع النقاش المجتمعي، وبامتلاء الساحات بالوعود وباحتدام المنافسة بين البرامج والرؤى. لكن هناك أوطان أخرى، تقاس فيها حرارة الاستحقاقات بعدد الذين يغادرونها وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، متجهين به نحو بحر لا يمنح أحدا وعدا بالنجاة.
في السياق المغربي، وبينما تستعد الأحزاب السياسية لخوض انتخابات شتنبر المقبل حيث يدخل الفاعلون السياسيون سباق استمالة الناخبين، كان مشهد آخر يكتب على شاطئ مدينة الفنيدق بشمال المملكة. لم تكن هناك منصات خطابة ولا شعارات انتخابية ولا صناديق اقتراع، لكن كان هناك أكثر من ألف شاب مغربي يندفعون دفعة واحدة نحو البحر، متجهين إلى مدينة سبتة المغربية، الخاضعة للإدارة الإسبانية، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.
لسنا هنا بصدد إقامة علاقة سببية بين الانتخابات والهجرة، وإن بدت الصورة وكأنها مشهدان متوازيان داخل الوطن نفسه؛ فالهجرة ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقانونية. فهنا على اليابسة من يتنافسون على إقناع المواطنين بالبقاء داخل المشروع السياسي، وهناك بين الأمواج من يعلنون في صمت موجع أنهم فقدوا ثقتهم في انتظار المستقبل. غير أن التزامن بين الحدثين يفرض سؤالا مجتمعيا عميقا لا يمكن تجاهله، وهو ماذا يعني أن يختار آلاف الشباب خوض غمار البحر في اللحظة نفسها التي يطلب منهم فيها المشاركة في صناعة مستقبل "بلدهم" عبر صناديق الاقتراع ؟
لقد ساهم قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في الثامن من يوليوز 2026، والقاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يعترضون في البحر، في تغذية الاعتقاد بأن فرص الوصول أصبحت أكبر. لكن هذا الحكم القضائي، بقدر ما خلق أحلاما وأوهاما لدا الكثير من الشباب غذى لديهم أيضا فرصا أكبر للمجازفة. أما الحلم نفسه فقد ولد قبل ذلك بكثير داخل واقع يشعر فيه جزء من الشباب بأن الزمن يتحرك من حولهم بينما هم عالقون في المستنقع ذاته.
لم يعد الإنسان المعاصر يعيش في فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عالمين متوازيين: عالم مادي ملموس تُشكّله العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الشاشات والخوارزميات. هذا الانقسام لا يُختزل في مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل يكشف عن تحوّل أنثروبولوجي عميق، حيث تتبدّل أنماط الانتماء وتُعاد صياغة الهوية في سياق جديد يتجاوز الحدود التقليدية للذات والجماعة.
إنّ الهوية الرقمية لم تعد مجرد انعكاس للهوية الواقعية، بل أصبحت فضاءً مستقلًا يُنتج سرديات جديدة عن الذات، ويُعيد تعريف العلاقة بالآخر. في المقابل، يخلق هذا الفضاء حالة من الاغتراب الافتراضي، حيث يشعر الفرد بانفصال بين وجوده الواقعي وصورته الرمزية، فيعيش ازدواجية بين الحضور المادي والتمثيل الرقمي. هذه الازدواجية ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل هي تجربة وجودية تُعيد طرح سؤال الهوية في زمن الشاشة.
من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والطقوس والمشاعر. فالإعجاب، الغضب، والحنين تتحول إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها في إطار ما يُعرف بـ الاقتصاد العاطفي. كما تُعيد الطقوس الرقمية اليومية – من التفاعل على وسائل التواصل إلى الحملات الافتراضية – إنتاج معنى الانتماء، لتكشف عن أن الهوية لم تعد حكرًا على الفضاء الواقعي، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين العالمين.
بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة تشكيل للإنسان في مواجهة العبور بين الواقع والافتراض. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتفاوض، بين الحضور والغياب، وبين الانتماء والاغتراب. وما يطرحه هذا المقال هو محاولة لفهم هذه الجدلية بوصفها إحدى أبرز التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمننا الراهن، حيث لم يعد السؤال "من نحن؟" يُجاب عليه في الواقع وحده، بل في الفضاء الرقمي أيضًا.
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التكنولوجية التي تؤثر في مختلف جوانب الحياة، ولم يعد حضوره مقتصراً على المختبرات أو المؤسسات الصناعية، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين. فمنذ لحظة الاستيقاظ وحتى نهاية اليوم، يتعامل الشباب مع تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، سواء من خلال الهواتف الذكية، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو الألعاب الإلكترونية، أو محركات البحث، أو المساعدات الصوتية. غير أن هذا الاستخدام الواسع لا يعني بالضرورة فهماً حقيقياً لكيفية عمل هذه الأنظمة أو إدراكاً لما تتيحه من فرص وما تطرحه من تحديات، وهو ما يجعل التربية على الذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة في عصر التحول الرقمي.
يقوم الذكاء الاصطناعي على مبدأ بسيط يتمثل في التعلم من البيانات. فكما يكتسب الإنسان معارفه تدريجياً من خلال التجربة والممارسة، تعتمد الأنظمة الذكية على تحليل كميات ضخمة من البيانات لاستخلاص الأنماط والعلاقات بينها. فعندما يُطلب من نظام ذكي التعرف على صورة قطة، فإنه لا يعتمد على تعريف مسبق، وإنما يدرس آلاف الصور حتى يتعرف على الخصائص المشتركة بينها. وكلما ازدادت كمية البيانات وتنوعت مصادرها، تحسنت قدرة النظام على التمييز واتخاذ القرارات بدقة أكبر. لذلك تشكل البيانات المادة الأساسية التي يقوم عليها تعلم الذكاء الاصطناعي وتطوره.
تستعد الولايات المتحدة لتوجيه رسالة إلى عشرات الدول الشريكة تطالبها فيها بتحديد موقفها في المنافسة العالمية المتصاعدة حول الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر الاختيار بين المبادرة الأمريكية أو نظيرتها الصينية، محذرة من أن الدول التي تنضم إلى الإطارين معاً قد تُستبعد من التحالف الذي تقوده واشنطن، وفقاً لمسودة وثيقة داخلية اطلعت عليها وكالة «رويترز».
وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت العام الماضي مبادرة "باكس سيليكا" (Pax Silica)، التي تهدف إلى تأمين سلاسل إمداد تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والمعادن الإستراتيجية، في إطار المنافسة التكنولوجية المتزايدة مع الصين.
وقد انضمت إلى هذا التحالف نحو أربعٍ وعشرين دولة، من بينها كازاخستان، التي تمتلك احتياطيات مهمة من المعادن الحيوية، إضافة إلى حلفاء مقربين لواشنطن مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية. غير أن كازاخستان انضمت أيضاً إلى المبادرة الصينية، وهو ما أثار قلقاً لدى المسؤولين الأمريكيين.
وتستهدف الرسالة الأمريكية، التي أعدتها وزارة الخارجية، الدول الخمس والثلاثين الموقعة على "إعلان فرص الذكاء الاصطناعي" الذي أُطلق في يونيو الماضي، ويضم أعضاء مبادرة "باكس سيليكا" إلى جانب دول أبدت رغبتها في تنسيق تعاونها في مجال الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة.