آخر القصص والدراسات الأدبية
المزيد
قصة ودراسات أدبية
بحثت عن نفسي في حياتك المزدحمة، بمحاولات النجاة، فلا أجد لي فيها أثرًا. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التمعّن لأفهم أن كياني ما هو إلا ثِقَلٌ إضافيّ في يومك.
حقيقةً، لا أريد أن أستعجل الحكم على هذا النمط؛ وأعذرك، لأنني أعرف أن الحياة لم تكن سهلة عليك، ولا عادلةً معك. لم تكن حياتك لك وحدك يومًا، وكما يبدو، أنها لن تكون كذلك.
كنتُ أتأمل، هذه الظهيرة، غبارًا تصاعد خلف بَجّاجٍ مستعجل. هذه العربات التي لطالما نجحتْ في إخافتي في مدينة مقديشو؛ العاصمة المتقلّبة، المُقبلة على ألوان شتّى من الأنماط المعيشيّة.
وجدتُ نفسي وقد اعتدتُ ـ نوعًا ما ـ على اللامبالاة الممزوجة بالشحوب. ولا أخفيك سرًّا، يا عزيزي، لقد اشتقتُ إليك إلى الدرجة التي اعتدتُ فيها غيابك.
وهذه آليةُ بقاءٍ طوّرها عقلي مع قلبي، حفاظًا على سلامي الوجداني.
الشمس هنا حنونة جدًا، بعد جرعاتٍ متفرقة من المطر. ولا ينظر العابرون حولهم حتى حين يقطعون الشارع؛ العيون لا تلتقي كثيرًا، وإن فعلتْ، فعلى سبيل السخرية أو الفضول.
ثلاثون يومًا يزيد معها أسبوع.
كان مساء الجمعة يهبط على الفنيدق ببطء، كأن النهار نفسه يخجل من النظر في وجوه العائدين. البحر، الذي بدا من بعيد كصفحة زرقاء هادئة، كان في الحقيقة وحشًا أليفًا؛ لا يبتلع الأجساد دائمًا، لكنه يلتهم الأحلام بصبر صياد عجوز.
هناك، على رصيف بارد يشبه مقعدًا في محطة للمنسيين، التقيت به.
أشعل سيجارة، ثم أطلق جملة خرجت من فمه كأنها قطعة من روحه:
"ناس مبلية بالزطلة... وأنا مبلّي بالغربة."
كان في الأربعين، لكن الزمن مرّ فوق وجهه مثل قطيع خيل هائج. عيناه لم تكونا تنظران إلى البحر، بل إلى شيء أبعد من البحر، إلى عمر ضاع وهو يركض خلف سراب اسمه "الضفة الأخرى".
قال بهدوء رجلٍ انتهى من البكاء منذ سنوات:
"هذه رابع مرة نحاول فيها الحريك."
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
"الغربة ما خلاتنيش نتزوج. كنت كل مرة نأجل حياتي. أقول: غدًا سأصل... وغدًا صار عشرين سنة."
استيقظ جمال للمرة الثالثة على التوالي، يتصبب عرقاً كأنه يركض في صحراء بلا حدود. لكنه لم يكن يركض؛ كان يقف في بقعة دائريّة من العشب الأخضر النضر. دائرة تتآكل أطرافها ببطء في البداية، ثم تنكمش بضراوة، حتى لا يبقى تحت قدميه الحافيتين سوى تراب عارٍ وعتمة مطلقة.تكرر هذا الحلم اكثر من ثلاث مرات.
غير أن الذعر الذي أفقده أنفاسه لم يكن وليد هذه الليلة؛ كان خبيئاً في صدره منذ سنوات. كان جمال يمارس حياةً دقيقةً كعقارب الساعة: يستيقظ في السادسة، يتناول فطوره الصامت بينما زوجته غارقة في نومها، يقطع الشوارع إلى مكتبه دون أن يتأخر دقيقة واحدة، ينجز مهامه بكفاءة آلية صماء، ثم يعود ليعالج عشاءً بارداً أمام شاشة التلفزيون، ويغفو في الحادية عشرة. حتى حديثه مع زوجته تحول إلى مجرد تبادل للخدمات اليومية: "هل أحضرت الحليب؟"، "سنزور أمي الجمعة". لم يكن ثمة شجار، ولا خيانة، بل فراغٌ هادئ ومريح تغطيه طبقة سميكة من الروتين.
في اليوم السابق، وبينما كان يحدق في شاشة الحاسوب المضيئة، شعر فجأة بأن جدران الغرفة تتقدم نحوه، تتنفس في وجهه وتضيق عليه، تماماً كالدائرة في حلمه. نهض، احتسى القهوة، وتظاهر بأن شيئاً لم يكن. كان متقناً لفن التظاهر.
لكن في صباح اليوم الرابع، انكسر شيء ما. لم يذهب إلى العمل. قال لزوجته التي رمقته بدهشة: "سأتأخر قليلاً"، وخرج يبحث عن تفسير لثقلٍ لا اسم له. كان يشبه رجلاً أضاع مفاتيحه في غرفة مظلمة، يمسح الأرضية بيديه ، وهو غير واثق أصلًا من وجود تلك المفاتيح.
فتحت عيني عندما سمعت صوت خالي الأجش، يناديني ويدعوني إلى النهوض، تردد صوته في أرجاء بيتنا المتواضع "الرجال لا ينامون بعد شروق الشمس". وجدت أمي واقفة بجانب فراشي فرنوت إليها بعينين أثقلهما النعاس، كان باب الغرفة مواربا فتبعثرت نظراتي بين مباني القرية ذات الألوان الكالحة، واخترقتْ الأنهج الممتدة والأزقة الضيقة،
رجل تصميم خالي، حين أنظر إليه وأنا أقف وراءه لا أكاد أرى كتفيه، فهو كالطود الشامخ الذي لا ينحني، يداه الخشنتان المعروقتان وكفاهما المتشققتان اللتان تنتهيان بأصابع طويلة توحي أنه من سلالة العماليق بل هو العملاق الوحيد في القرية. وعندما يمشي بهامته المديدة تقرع قدماه الأرض قرعا عنيفا، ومع ذلك فهو هادئ الطبع فلا صلافة فيه ولا غلظة. لا يتكلم كثيرا، وإذا نطق لعلع صوته ليملأ الأرجاء كأنْ لا صوت يعلو فوق صوته. قلبه مخزن أسرار وخفايا، لا يبوح بها أبدا، أحكم إغلاق ذلك الصندوق وألقى مفاتيحه في أعماق البحار حتى لا يصل إليه أمهر البحارة. ولا يشكو ولا يتذمر. ظل يتمنى رؤية ابن له من صلبه يدرج أمام عينيه، لكنه حُرم منه رغم أنه تزوج مرتين، طلق الأولى بعد عقد من الزمن، ثم تزوج الأخرى بعد مدة وجيزة لتعينه على همِّ الدنيا مثلما كان يردد دوما. واستعاض بي، أنا ابن أخته، عن الأبناء الذين رسم صورهم في مخيلته، لكن تلك الصور ظلت جامدة لم يُكتب لها أن تتجسد أرواحا وأبدانا.
عندما غادرنا المنزل تسمرت أمي في مكانها وظلّت تلوِّح لنا بيمناها ، وبيسراها كانت تكفكف دمعة انحدرت على خدها. حاولتْ أن تظل رانية إلينا إلى آخر لحظة، كأنها تريد لصورتينا أن تنطبعا في ذاكرتها. عادت أدراجها ودلفت المنزل ولسانها يلهج بما تحفظ من دعوات صالحات. وعندما غبت وخالي بين منازل قريتنا المتناثرة أحست أن فؤادها ارتج وأن جزءا منه قد انسلخ عنها ورحل معنا. وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما قبل مغادرتنا:
- ما زال صغيرا عن الخروج في رحلة صيد.
لم يلتفت إليها خالي ولم يردّ عليها بكلمة.
- سيتعب وسيمرض وسيجوع وسيعطش.
حدجها بنظرة ثاقبة اهتزت لها روحها، لكنها أضافت:
شعرت بالخجل
شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. إنها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسؤولية اصطحابه إلى الروضة والعودة به منها. وغالبا ما تضطر إلى إحضاره إلى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه.
قلت لها يوما: "لماذا لا تتركينه في البيت مع أبيه؟"
ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت: "أنت لا تعرفه. زوجي شديد القسوة، ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن."
لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت فوق مكتبها: "زوجك لديه الوقت الكافي ليأخذه إلى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر يتحكم في وقته."
ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي: "لقد حاولت معه، وفي كل مرة يقول لي: الطفل مهمتك أنت، تصرفي، أنا غير مسؤول."
وأضافت، كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي: "خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف أنني مهددة بالطرد من العمل، ومع ذلك مصمم على رأيه."
اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء: "اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول، ولو على حساب عملك، فهو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك تجاهه."
أصابها الهلع، كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها، وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسؤوليته، وألا تستسلم.
ابتسمت، كأنها وجدت حلا لعملية معقدة، واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها، ثم قالت لي بكل ثقة: "كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا، وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."
كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين، رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.
وتوالت الأيام، والتقيتها يوما، وكانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها: "هل هناك جديد؟"
أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر.
لم تكن الهند مكاناً وطئته قدماي، بل قارةً من نورٍ وحنين شيدتها مخيلتي بين دفتي كتابٍ قديم ونافذةٍ مفتوحة على الحلم. وكلما أغمضتُ عيني، وجدتني أسافر إليها دون جواز سفر، وأعبر شوارعها دون أن أغادر مكاني، كأن الروح كانت تعرف الطريق إلى هناك قبل أن تعرفه الخرائط.
وقبل أن تبدأ الرحلة حقاً، وقبل أن تنفرج ستائر الحلم عن مسارحها الخفية، سكنتني روح باخوس. لا باخوس الأسطورة وحده، بل روح النشوة الوجودية التي تجعل الإنسان يرى العالم بعينٍ ثالثة، لا تنتمي إلى الجسد ولا إلى العقل، بل إلى ذلك الحيز الغامض الذي تتعانق فيه الرؤى والذكريات والأمنيات.
شعرتُ كأنني أرتشف من كأسٍ مملوءةٍ بأسرار الكون. لم تكن خمراً، بل دهشةً صافية. كانت الأشياء من حولي تذوب في بعضها كما تذوب الألوان في لوحةٍ مبللة بالمطر؛ الجدران تتحول إلى ضباب، والضباب إلى غيوم، والغيوم إلى جسورٍ معلقة بين الأرض والسماء. عندها أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ من الموانئ والمطارات، بل من تلك اللحظة التي يتمرد فيها الخيال على حدود الواقع.
وفي غمرة تلك النشوة، وجدتني أقف على ضفاف الغانج المتخيَّل، حيث يجري الماء كقصيدةٍ أزليةٍ هاربة من فم الزمن، وحيث تتعانق ألوان الغروب كما تتعانق رسائل العشاق التي ضلت طريقها إلى أصحابها. كان المساء ينسدل على الكون كعباءةٍ من حريرٍ بنفسجي، وكانت الريح تمر بين أفكاري كعازفٍ وحيدٍ يجر قوسه على أوتار الحنين.
هناك، أدركت أنني لا أبحث عن الهند، بل أبحث عن نفسي.
كان النهر يمر هادئاً أمامي، فأرى فيه صورة العمر وهو يمضي دون أن يلتفت إلى الوراء. وكل موجةٍ كانت تبدو كأنها يدٌ شفافة تخرج من أعماق الزمن لتربت على كتف الذاكرة. شعرتُ أن السنوات التي عشتها لم تكن سوى قطراتٍ صغيرة في نهرٍ لا يعرف التوقف.
الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.
أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.
العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.
عندما جلستُ بمقهى "بلادي"، كان كل همي أن أجد فكرة ذات بعد إنساني تنهل من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي، سادرًا ببصري في اتجاهات مختلفة، وأنتظر أن تجود عليَّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي الدفينة.
وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوابة الحكي، انتشر حولي باعة متجولون يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي)، مرورًا بالفواكه الجافة وعلب الشوكولاتة والبسكويت، وصولًا إلى مناديل الورق. لم يكن وجودهم يشوش عليَّ، ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد، ويسهل كتابة الأحداث.
اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابًا أفغانيًا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، وقالت بلهجة مشرقية: «صدقة يا حاج». ناولتها درهمًا، فقال كهل كان يجلس بجواري: «أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا عربًا». حرَّكت رأسي موافقًا ومبتسمًا في الوقت نفسه.
أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدت فتحهما اكتشفت أن الكهل انصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصًا في بداية عقده الرابع يجلس على الكرسي المقابل لي، حياني بحرارة، كأنه كان على معرفة مسبقة بي. حدقت فيه مليًّا، وتصفحت ملامحه، وأحسست بأن صورته ليست غريبة عني، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يشبهني كثيرًا، نعم، يشبهني بشكل مثير للاستغراب. الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن؛ فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي. سألته بعد تردد قصير:
• «هل تشرفني باسمك؟»
رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت، في نهاية المطاف، أن تتوجه إلى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، وضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، وأحلامها، وسهر الليالي، والاستيقاظ في الصباح الباكر جدًّا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها وراءها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور، وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة إلى المطبخ في صمت لإعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق، وتتمنى لو امتلكت عصًا سحرية تعيد بها الزمن إلى الوراء، وتعيد كتابة حياتها من جديد.
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت إلى محطة القطار، والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست تنظر إلى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي إلى القطار، وربما كانت تلك أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة... تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن، وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة، وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، وتسمرت رجلاها، ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها، ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير إنساني، وعينهم على القطار. لمحت وجهًا تعرفه جيدًا وأحبته بجنون، وجهًا اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، وفي محطات القطار، وعلى الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والقلب الطيب. وقفت، وخرجت تجري لا تلوي على شيء، تبحث عنه، تاهت من جديد، وأدركت أن قدميها تتجهان إلى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره. تذكرت دموعها، وجرت بشكل هيستيري إلى غرفتها، وأقفلت الباب بالمفتاح، كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.
مقدمة:
من منظور سوسيولوجيا الأدب، كل نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية تجرى عبر واقع متخيل، ورغم كل ما يمكن أن يضعه الأديب من شروط موضوعية لممارسة إبداعه، إلا أن المجتمع يلقى بظلاله على سيرورة العملية الإبداعية، بل ويوجه مساراتها في كثير من الأحيان، فالأدب على خلاف ما يرى أنصار التحليل النفسي، ليس نتاجاً ذهنياً نفسياً خالصاً، بل هو محصلة لتداخل عوامل مجتمعية يحضر فيها النفسي والجمعي والتاريخي، فالمجتمع ملازم للأدب في شروط إنتاجه وتفاصيله أيضاً. والأديب ابن مجتمعه يتأثر بما يتأثر به أفراد المجتمع، وينعكس على إبداعه ما يسود مجتمعه من عادات وتقاليد وعقائد ونظم ومبادئ وأفكار، وهو يعبر عن هموم مجتمعه وآماله مثلما يعبر عن تجاربه وأحاسيسه، ولا يتوقف عند حدود تصوير الواقع كما هو بل يعبر عن رؤيته لإعادة تشكيل الواقع وصياغته.
ويُعد الانتقام أو الثأر للنفس ممن ظلمها أو خانها أو انتقص من حقوقها، جزءا من طبيعة البشر والمجتمعات الإنسانية، ولما كان الخطاب الأدبي ليس مجرد بنية لسانية محايدة، بل هو بنية اجتماعية وتاريخية وسيكولوجية، تحمل ملامح العصر والواقع الاجتماعي ورؤى مُنتِج الخطاب السردي، فقد حفل الأدب بصفة عامة، والرواية بصفة خاصة، بالعديد من الأعمال الإبداعية التي تتناول فكرة الانتقام، بل إن أنجح الأعمال الإبداعية والدرامية على مر التاريخ هي تلك التي قامت على فكرة الانتقام، وقدمت صياغات عميقة لمشاعر الراحة التي تغمر الإنسان الغاضب بعد الانتقام، وهو ما دفع العديد من علماء الاجتماع والنفس للبحث المتعمق حول هذا الجانب الإيجابي وراء فكرة الانتقام.
حيث يرى علم النفس الحديث أن الرغبة في الانتقام تنبع من محاولة الفرد اللاشعورية لتعويض الشعور بالعجز والضعف الناجم عن التعرض للأذى، فالانتقام بمثابة دفاع عن الذات ضد الانتهاك، وحماية لها من الانهيار. كما يربط علم الاجتماع الحديث الانتقام بفكرة الضبط الاجتماعي وانهيار الثقة في العدالة المؤسسية؛ فكلما ضعفت سيادة القانون، زاد لجوء الأفراد إلى الثأر الشخصي لتحقيق العدالة الخاصة بهم وإعادة التوازن الاجتماعي المفقود.
ومن العلماء المعاصرين الذين اهتموا بهذه الفكرة، عالم النفس التطوري بجامعة ميامي مايكل ماكولاه، الذي أمضى ما يزيد على عشر سنوات في دراسة الثأر والصفح، وأكد في كتابه الصادر عام 2008 والمعنون: (ما وراء الانتقام: تطور غريزة التسامح Beyond Revenge: the Evolution of the Forgiveness Instinct) أن الناس في جميع المجتمعات يدركون فكرة الغضب والرغبة في رد الإيذاء بمثله. وأن ما يصل إلى 20 في المئة من جرائم القتل و60 في المئة من حوادث إطلاق النار في المدارس كان لها صلة بالانتقام.
كذلك هناك ارتباط لا ينفصم بين الخيانة - خاصة ما يتعلق بالشرف - وبين الانتقام، وهو ما أكد عليه الفيلسوف وايتلي كوفمان في كتابه: (الشرف والانتقام: نظرية العقاب Honor and Revenge: A Theory of Punishment) الصادر عام 2013، فالانتقام في حد ذاته يعيد شرف الشخص المسلوب. وهو ما يجعل الانتقام مقنعا ومُرضيا للغاية، سواء تم تنفيذه من خلال أفعال انتقامية عفوية، أو عن طريق أعمال انتقام محسوبة ومخطط لها.
مقدمة
تزخر المكتبة العربيّة بالكثير من الروايات عن فلسطين كقضيّة أرض وإنسان وهويّة أصيلة تناولت معظمُها الاحتلال والتهجير ومعاناة الفلسطينيّين. وفي الحديث عن فلسطين في الرواية العربيّة نتناول في هذه الدراسة رواية "شرق النخيل" للأديب بهاء طاهر التي يدور جزء من أحداثها في زمن النكبة العام 1948 وزمن النكسة عام 1967، وإضافة لحكاية النضال الفلسطينيّ وكيف يعمل الاحتلال الإسرائيليّ على سلب الفلسطينيّين حقَّهم بالعيش بكرامة في أرضهم التي لا أرض لهم سواها. وقد تميّزت الروايات العربيّة، ومنها رواية شرق النخيل، بنقل الحكاية الفلسطينيّة بلغة نثريّة وأسلوب فنيّ سلّط الضوء على صدمة النكسة وتأثيرها على الواقع العربيّ وفلسطين، من خلال الحديث عن الحب والسياسة في حياة طلاب الجامعة، وتفاصيل العلاقات الأسريّة حيث فلسطين في الرواية العربيّة هي جزء من تكوين الوجدان الشعبيّ بعيداً عن الأدب الخطابيّ عبر الحكاية والسرد الذي يخترق العقل والعاطفة. وبعد هزيمة عام 1967 استطاعت الرواية العربيّة ترك بصمة مميّزة في تناول سيرة فلسطين ومسيرتها بخاصة في مصر التي هي الأسبق في الحياة الأدبيّة، حيث لم تغب فلسطين عن الحضور في وجدان العرب والمصريّين بالكثير من الروايات، ومنها رواية شرق النخيل التي تناولت ما تعرّضت له قضيّة فلسطين من أكاذيب وإحباط وخيبات أمل، ولكنّها بقيت حاضرة كقضيّة أرض وانتماء وإنسان في الرواية العربيّة التي هي رواية الفلسطينيّين منذ ما قبل النكبة وما بعد النكبة بأقلام المبدعين العرب.
الفصل الأول:
حكاية الأرض
تركت نكبة فلسطين واقتلاع الفلسطينيّين من أرضهم ومن ثم النكسة، بصمات مؤثّرة في الرواية العربيّة التي تحدّثت عن كفاح الشعب الفلسطينيّ من أجل الأرض والحريّة والاستقلال في ظل الأطماع الإسرائيليّة بالأرض التي هي محور الصراع، وقد عكست رواية شرق النخيل مرارة الهزيمة، كما أكّدت الإحساس العميق بالقضيّة العربيّة الأولى المتمثلة بضياع أرض فلسطين، ولم يمارس بهاء طاهر الوصف في رواية شرق النخيل بل لجأ إلى الرمز لمنح الرواية سمة الإجلال دون مباشرة أو عظة.
وفلسطين وحكاية الأرض في رواية شرق النخيل ظهرت من خلال تناول الدعاية الصهيونيّة التي اتهمت الفلسطينيّين ببيع أرضهم، وبسبب هذه الدعاية لا يحقّ لهم أن يطالبوا باستعادتها. وهذه الدعاية انتشرت وملأت الأرجاء بين الكثير من العرب، وساعد الإسرائيليّون في نشرها وأصبحت تُتناقل بصفتها اتهاماً يوجّه إلى الفلسطينيّين، رغم الكثير من الحقائق والدراسات التي تنفي حصول ذلك في نطاق ما يُسمّى بالتفريط بالأرض وبيعها والتخلّي عنها. ورغم أن رواية شرق النخيل "تدرس جانباً اجتماعياً مهماً، وهو علاقة الطلبة الجامعيّين بعضهم ببعض، وانعكاس نبض الشارع الجامعيّ إزاء القضايا العامة، وتشكيل مزاجهم العام بعد هزيمة حزيران، القائم على القلق والحماسة وفقدان التوازن وانعدام التقدم"(1)، لكنّها في سرد دعاية بيع الفلسطينيّين أرضهم، تظهر حين يقول سمير في رواية شرق النخيل "كنتُ أقول هذا الكلام لعصام وأنا أمزح معه، أقول له أنتم بعتم أرضكم لليهود فلا داعي للتظاهر بالحزن ولا لعبارات "الوطن السليب" و"عائدون" و"أجراس العودة" وما أشبه، ولكن لا تهتمّ يا عصام فنحن سنحرّر لكم الوطن السليب ونعيدكم إليه رغم أنوفكم، سنحرمكم من الثروات الفاحشة التي تجمعونها وأنتم تتظاهرون بأنكم لاجئون مساكين"(2). وجاء هذا الكلام في سياق الرمز والدلالة ومحاولة الإضاءة على الظروف المحيطة بخسارة الأرض عبر شخصيّات الرواية التي تلتقي وتتصارع بخط بارز يؤرّخ للوعي وسط التداخل بين الزمان والمكان، واللحظات المختلفة بسرد نثريّ بعيد عن نشرات الأخبار والخطب ووصف الأحداث التي تؤكّد بأن الفلسطينيّين يتمسّكون بأرضهم ولا يتنازلون عنها ونصفهم لم يخرج منها حين وقوع النكبة، ونصفهم في الشتات يكافح من أجل العودة إلى الأرض وزراعتها وإنتاج المحاصيل نفسها التي كان يزرعها الأجداد من زيتون وفواكه وقمح وشعير وخضار، بخاصة في الريف الفلسطينيّ الأكثر حفاظاً على الأرض والهويّة بحماسة وجدّيّة مطلقة.
شرفني الصديق العزيز الأديب حسن ميري بكتابة مقدمة لمنجزه الأدبي "عائد من الظل"، الذي يمكن تصنيفه ضمن جنس السيرة الذاتية.
يُعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية تحديداً في كتابه الشهير "الميثاق السيرذاتي" بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة" [فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص 22]
وقد اشترط لوجون أن تكون السيرة الذاتية نثرية، وأن يكون الحكي استرجاعياً مرتكزاً على أحداثٍ انطلاقاً من نقطة في الزمن الحاضر، وأن يكون محتوى السرد مؤسساً على الحياة الشخصية والفردية للكاتب وتطور شخصيته، مع وجود تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في النص.
وقد أضاف لوجون لكل هذا مفهوماً مركزياً يُعرف بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" (Le pacte autobiographique)؛ وهو اتفاق ضمني أو صريح بين الكاتب والقارئ، يتعهد فيه المؤلف بتقديم "الحقيقة"، ويحدد طريقة قراءة النص باعتباره مرجعاً حقيقياً وليس تخييلاً أدبياً [المرجع نفسه، ص 26].
لكن هذا لم يمنع نقاد ما بعد الحداثة، كدريدا وبارت، من انتقاد براديغم لوجون لعدة اعتبارات؛ لعل أبرزها استحالة الصدق في كتابة السيرة الذاتية؛ لأن الطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الذات الثابتة، فالأنا التي تكتب في الحاضر ليست بأي حال هي الأنا التي عاشت الأحداث في الماضي. والذاكرة البشرية لا يمكن أن تكون آلة تسجيل؛ لأن المؤلف -ورغم توفر نية الصدق لديه- لا يستطيع أن يمنع نفسه من تجميل صورته وحذف ما يخدش جماليتها. وهذا الحذف يأتي لاشعورياً عن طريق ممارسة رقابة ذاتية، لهذا فنحن في آخر الأمر نجد أنفسنا أمام "تخييل ذاتي" مبنيّ على تحويل الأحداث الواقعية إلى ألفاظ، وسبكها في سياق صور بلاغية توظف المجازات، والتشبيهات، والاستعارات بما يخدم بناء النص الأدبي، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عمل متخيَّل يتغذى على الواقع.
"لقد أقبلت عليها كما تُقبل البطة على الماء، ولم تنقطع قط دهشتي من أنني أصبحت كاتبا."
سومرست موم
لقيت الرواية الأولى للأديب والمسرحي البريطاني سومرست موم (ليزا فتاة لامبث)، نجاحا كبيرا دفعه للتخلي عن مهنة الطب والتفرغ للكتابة. فوجئ الناس بإزميل ينحت الطبيعة البشرية بدقة هائلة؛ ففي الرواية يقدم موم للقارئ شخصية فتاة مفعمة بالطموح والحياة، ورافضة لبيئة الحرمان التي كانت سمة أحياء لندن الفقيرة آنذاك. غير أن الرغبة في تعويض الإحساس بفقدان الأب ستدفع فاتنة الحي إلى التعلق برجل متزوج يكبرها سنا، لتنتهي الأحداث بوفاة ليزا، بينما الأم الجشعة تعدّ ببرود نقود التأمين.
تفرّغ سومرست موم للكتابة التي قال بأنه بدأها كأمر طبيعي مألوف لا انفكاك عنه، تماما كالبطة التي لا انفكاك لها عن الماء. وفي سيرته التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان (عصارة الأيام)، لم يكتف موم بسرد تجربته الحياتية والصعاب التي اعترضت مسيرته الأدبية، وإنما برع كذلك في عرض نقائصه ككاتب، وملاحظاته على أساليب الكتابة لدى أسلافه ومعاصريه على حد السواء.
إن الإنسان العادي هو الذي على الكاتب أن يعالجه، فهو يحكي ذاته ولا يجد سببا لاصطناع شخصية أخرى. لذا كانت ذخيرة موم دوما هي عامة الناس، أولئك المغمورون الذين يظهرون على حقيقتهم، ولا يخفون تصرفاتهم الشاذة لأنه لم يخطر لهم أنها كذلك. فالعادي إذن، يقول موم، هو ميدان الكاتب الأخصب؛ يُمدّه بمادة لا تنضب بسبب ما فيه من جدة وتفرد وتنوع لا حد له.
تبدأ «القرداش» بمشهد لا يمنح قارئه وقتًا ليستقر. سالمة، وهي على سرير الاحتضار، ترى فرسانًا ببرانس بيض يطوفون حول مصباح غرفتها. يضطرب الضوء، فيتلاشى الفرسان، ويقترب السقف منها كأنه يوشك أن يسقط. تغمض عينيها، ثم تفتحهما في حذر، فلا تجد إلا الورل المحنّط واقفًا عند الباب، بعينين زجاجيتين لا ترمشان.
إن الطريقة التي انتقل بها السرد من عالم الهذيان إلى الواقع هي ما شدّ انتباهي منذ الصفحة الأولى. كان الانتقال هادئًا، وكأنه نسيج خفي؛ فسالمة تنتقل من الرؤيا إلى الواقع دون أن يعلن الراوي إفاقتها، من غير أن يظهر حدّ فاصل، ومع ذلك تحتفظ الرواية بتوازنها.
هل الهذيان فعلًا هذيان، أم أنه وعي لم ينضبط لترتيب العالم الذي حوله، وعي يقترح طرقًا أخرى لترتيبه؟ كانت سالمة تحتفظ بالمعنى كاملًا وهي تهذي، فقط تعيد صياغته. تتجاور الأزمنة عندها بدل أن تنسلخ من بعضها. ويبدو أن تدفق الذكريات محكوم بمثير خارجي، وهو الألم.
لقد تغيّر السؤال الذي دخلت به إلى الرواية فجأة، من سؤال يبحث عن تأويل، إلى سؤال يبحث عن "كيف". كيف استطاع وليد بن أحمد أن يكتب رواية تنطلق من هذيان، أو لنقل من وعي مضطرب، وتحافظ مع ذلك على اتساقها؟ كيف كانت هندسة هذا النص، وكيف شُيّدت عمارته؟ كيف منح الهذيان منطقة واسعة وخصبة في السرد، وكيف أعطى الأشياء أصواتًا، والزمن نظامًا يخصّه؟ وكل هذا يبدو كسمفونية بديعة.
كيف تتكلم الأشياء؟
يبدو أن وليد بن أحمد يهيّئ نسيج السرد، ويضع عقدة بعد عقدة أثناء الحياكة. فالأشياء التي كانت حاضرة تراقب وتترقّب، بدأت تخرج للواجهة حين منحها السرد لسانًا. فالورل، والقرداش، والمغزل، والخلّالة، والسدّاية، هي في الحقيقة أدوات لا شخصيات، ولكن الكاتب يقودنا خطوة بعد خطوة لقبول أنها تتكلم. والسرّ في ذلك أن القارئ توغّل في أوتوستراد الرواية، وبدأ يتعوّد على قوانينها ولوائحها. فحين ينتقل السرد بين الهذيان واليقظة دون إعلان، والقارئ يلتقط العالمين، يصبح مهيّأً لقبول انتقال الوعي من الإنسان إلى أدواته دون احتجاج.
شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.
وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي ( وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت ( 1915_1980 )، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.
يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.
ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.
ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.
حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.
ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892_ 1941 انتحار )، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.
جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.
تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.
حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.
في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899_ 1997 ) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين ( 1799_ 1837 ). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.
كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.
يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.
برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.
استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.
في لحظة تاريخية مشبعة بالدم والذاكرة، تخرج رواية "أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة لتضع الأدب في مواجهة العدم، ولتؤكد أن السرد ليس مجرد حكاية، بل شهادة على الوجود. إنها نصّ يتجاوز حدود الفن الروائي التقليدي ليغدو وثيقة إنسانية، تكشف عن عمق التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الهوية والمقاومة، وبين الحياة والموت. تبدأ الرواية مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتفتح الباب أمام أسئلة وجودية كبرى: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ كيف يتحول البقاء إلى عبء؟ وكيف يصبح البقاء ذاته فعلًا من أفعال المقاومة؟
بهذا المعنى، فإن المقال الذي نقدمه هنا ليس مجرد قراءة في نص أدبي، بل محاولة لتفكيك بنيته السردية والفكرية، والبحث في رموزه ودلالاته، وربطها بالسياق السياسي والاجتماعي الذي أنتجها. إنها قراءة تسعى إلى إبراز أن الرواية ليست فقط عن الفلسطيني، بل عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الوجود، وحين يغدو الأدب أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.
المدخل العام للرواية
إن رواية " أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة تمثل نصًا أدبيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي ليغدو شهادة إنسانية على التجربة الفلسطينية في لحظة تاريخية فارقة. فهي تبدأ مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتضع القارئ مباشرة في قلب الحدث، حيث تتقاطع الذوات الفردية مع الوعي الجمعي، ويصبح النص مساحة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الفرد والهوية، وبين المقاومة والوجود ذاته.
الرواية لا تُقدَّم كحكاية شخصية فحسب، بل كوثيقة أدبية تسعى إلى تفكيك بنية العنف وكشف آليات القمع الممنهج الذي يحوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، ويعيد إنتاج صورة "الإرهابي" بوصفها نتاجًا لسياسات الاحتلال لا خيارًا فرديًا. بهذا المعنى، فإن النص يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ ومن المسؤول عن ولادة هذا الكائن المشوَّه في نظر العالم؟
من خلال شخصيتي يحيى وآية، تُبنى معادلة الوجع الفلسطيني: الأول يُدفع إلى المقاومة تحت ضغط القهر والتعذيب، والثانية تُترك وحيدة لتقاوم الحياة نفسها وهي تحمل عقدة "ذنب الناجية الوحيد". هذا التوازي السردي يخلق فضاءً أدبيًا يعكس هشاشة السرديات المفروضة عالميًا، ويعيد الاعتبار إلى المقاومة بوصفها استجابة وجودية وليست خيارًا أيديولوجيًا.
إن المدخل إلى الرواية يكشف عن مشروع أدبي يسعى إلى إعادة تعريف المقاومة، ليس باعتبارها فعلًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها فعلًا وجوديًا يواجه العدم ويؤكد على معنى البقاء. وهنا تتجلى قوة النص في قدرته على تحويل التجربة الفلسطينية إلى تجربة إنسانية كونية، حيث يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو الأدب أداة لإعادة صياغة الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.