عندما رمى الحطاب فأسه بعيداً عن الخشب الذي كان يحطبه قرر أنه لن يحطب مجدداً. قال لنفسه :
- الحطابة ليستِ الشيء الأهم في حياتي. لايوجد شيء ذو أهمية قصوى بالنسبة لي مثل رؤية الله!
أدرك أن الله حين خلقني غرس في قلبي هذا الشوق العظيم لرؤيته والتمتع بجمال وجهه. لكن أين أنت يالله ؟
قلَّب الحطاب نظرهُ في السماء و كأنه يتفحصها جيداً قبل الذهاب لكوخه بأخشابه المقطعةِ.
الحقيقة أنه يعلن اعتزاله لمهنة الحطابة يومياً و لكنَّ الفقر وشدة الحال تجعله يرجع لحرفته التي لا يعرفُ غيرهَا. لم يكن همُ الحطاب في هذه الدنيا إلاَّ مسألة لقاءه مع الله. هذا الهاجس جعله منعزلاً عن مجتمعه القرويِّ ، فهو لبث في التفكير بملاقاة الله منذ أن تهامست القرى في ديار السامرة أنَّ عزرا وليُ الله قد رأى الله بعينيه الإثنتين ثم ماتَ. لم ير أحدٌ عزرا و هو يرى الله و لكنَّ الكُهان يرددون هذا بين الناس و هذا الخبر هو ما يتناقله أهالي السامرة منذ أعوامٍ. هذه الحادثة أوحتْ للحطاب أنه يستطيع رؤية اللهِ في يومٍ ما ،و هذا ما جعله يقوم بزيارة ضريح عزرا كلَّ سبت طالباً للبركة وداعياً أيضًا بكل المقدسات أن يستطيع ملاقاة الله.
استمرت أيام الحطابِ على هذا المنوالِ حتى جاءت ليلة الأحد العظيمة و هي الليلةُ التي مات فيها عزرا. حلمَ الحطابُ في تلك الليلة أنه يرى السماء تنشق فيهبط منها شيخٌ وقورٌ ذو لحيةٍ بيضاء كثيفة.
"
دق الباب، هرعت أناي من ذاتي كأن انفجارا قذف بها لتكتشف من الطارق. منذ مدة وهي تحيى قبليا هذه اللحظة، ذوات الزقاق الضيق تسأل أناي عن ذاتي؛ غاب الجد، انتزع من عالمنا الممكن. كيف ينزوي في هامش علينا أن نكتشفه في أسفارنا الطويلة القادمة في اتجاه النسيان كلما مررنا من حيث كان يجلس في خلوته يستعيد عبر ذوات الزقاق ذاكرة وطن هو بسعة الحلم..هو الآن يتأمل دواتنا -من هامش ما -يرأف لحسرتنا ،يتألم لدموع ذات الصغير على سطح المنزل،يحرك فينا كل التفاصيل اليومية التي لم نأبه بها يوما ؛هاهي اليوم في عمق تفكيرنا تنزع عنها كل الحجب لتنكشف إشراقا توحدنا بجوهرنا ؛ تصدح بحضوره فينا، في كل ألأمكنة التي مارسنا فيها شغبنا الطفو لي ، في كل ألم ارتكاسي من جراء قسوة أب يتوهم تنشئة صغاره وفق خارطة طريق تتنكر لحكايات الجد المسائية؛ فيها من عوالم الجدة أنين نساء كل الوطن ...لكنه الآن هنا بدون ملامح فيزيقية هو الجد الذي يسكننا، يحدثنا، يفتح باب غرفنا كل مساء، يتحول عصب عالمنا الممكن.
كان عبد الله يجوب القرية قلقا. بدا أن أحدا غيره لم ينتبه.. كانت البلدة تعج بسكانها. لم يكن الفصل صيفا، ليأتي المغتربون والأصدقاء بهذه الكثرة. لم يكن في البلدة غير أهلها.. لماذا هذا الإكتظاظ، إذا؟
دخل أبي من عمل ، هو بمثابة فخ جميل و محترم بالنسبة إلي . يبدو عليه التعب واضحا . أظهرت بذكاء طفولي اهتمامي بالدرس و التحصيل الناجح . فتحت محفظتي ، و أخرجت من كتاب التربية التشكيلية ، الورقة المزدوجة الزرقاء التي حصلت فيها على أحسن نقطة في قسمنا خلال الأسبوع الفائت . قبل أن يقف هو للذهاب إلى ساحة الدار، حيث تعود على الوضوء . قدمت له ورقة نتيجتي . نظر إليها دون أن يكترث بالأمر . لكن و هو ينظر دون أن يفهم ، لفت انتباهه الرسم في الورقة . قال و عيناه في عيني :
....كان قد مضى على وفاته عدة أسابيع عندما رأيت في منامي أني أقف أمام جثمان أبي... كان الجثمان مسجى على سرير متعدد الطوابق، من ذلك النوع الذي يستخدمه البحار ة والجنود.... في الطابق الذي يقع في مواجهتي مباشرة كشفت الغطاء عن وجهه فأدهشني أن عينيه كانتا مفتوحتين رغم موته!، وأنه يطل إلي بنظرته الحزينة، بل خيل إلي أن عينيه فيهما بقايا دموع!!. وحين رددت عليه الغطاء حانت مني التفاته إلى الطابق الأسفل من السرير... كان ثمة جثمان آخر مسجى... حين كشفت عنه الغطاء فوجئت بأنه أيضا جثمان أبي، وأنه يطل علي بنظراته الحزينة الضارعة!!... رحت أنقل نظراتي بين طوابق السرير... في كل منها ذات الجثمان، وذات النظرات والدموع.
فرح الحفاة، فالسحب كانت رحيمة وتحب الاحسان إلى عباد الله المعوزين، فأمطرت أحذية من مختلف المقاييس غير أن عبد الله بن سليمان كان نائماً فلم يفرح إذ لم يظفر بحذاء ظلت قدماه حافيتين. وهكذا فقد حدق عبد الله بن سليمان إلى أحذية الناس السائرين في الطرقان بينما يفترسه الحسد. والحسد وقانا الله منه أصل البلاء، وهو كما تعلمون شر عظيم والمرء الحسود ينال ما يستحق من عقاب، فالله ساهر لا تخفى عليه خافية، لا يهمل ولا يمهل. لقد ولد عبد الله بن سليمان حافياً، وترعرع حافياً، ويسير حثيثاً إلى القبر بقدمين حافيتين ولكن ابليس اللعين خزاه الله وسوس في أذنيه وزين له أن يصير من عباد الله مالكي الأحذية، فلم يرفض عبد الله بن سليمان اغراء ابليس انما خضع له. ولا بد أنكم تعلمون أن ابليس ذو وجه يخلو من الوسامة ، وله قرنان وذيل.
في المقهى كبرت شجرة السر الخطير، وانتقل الخبر من منصة إلى منصة حتى استقر به المقام في المصب الأخير لكل النفايات- بين يدي الدوائر الحكومية- كيف وقع ذلك للمواطن الملعون وهو الذي لم يضبط متلبسا بقراءة جريدة، لافي المقهى مع جماعته من الحشرات الصلعاء، ولا وهو في الصف ينتظر صرف المعاش النحيف، ولاوهو يفر من الدائنين الكثر؟