طوّر النقاد الثقافيون الذين ظهروا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثل "جوناثان سويفت"، "جون روسكين"، وخاصة "ماثيو أرنولد"، النقد الثقافي كما نمارسه اليوم، معقدين بشكل كبير المفاهيم القديمة للثقافة والتقاليد والقيمة. فأما "جوناثان سويفت" فيسخر السمات التقليدية في أدب الرحلات البريطانية في القرن الثامن عشر، من أجل السخرية من النزعة القومية التي كانت حاضرة في بريطانيا خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك في روايته الأشهر "رحلات غوليفر". يظهر "غوليفر"، بطل القصة، قدرة محدودة على النسبية الثقافية طوال الرواية؛ إذ يرى في الثقافات التي يصادفها من منظور عدسته التي تحمل طابع التحامل الشخصي. ويُصوّره "سويفت" على أنه راوٍ متحيّز ليُبرز عبثية ونفاق القيم الإمبريالية، حيث تُشكّل كل أرض يزورها تحديًا جديدًا لأيديولوجيته القومية.
كان "سويفت" نفسه ضحية للاضطهاد الاستعماري؛ فكونه أيرلنديًّا، اختبر بنفسه خضوع بلاده للإمبريالية الإنجليزية، وهو ما شكّل الخلفية التي استندت إليها المضامين المناهضة للإمبريالية في الرواية. خلال القرن الثامن عشر، استخدمت إنجلترا الفتوحات الإمبريالية لترسيخ مكانتها كقوة سياسية واقتصادية وأكاديمية عظمى. ويجسّد "غوليفر" القيم التي كانت سائدة في الدولة البريطانية الموحدة حديثًا، حيث يستخدمه "سويفت" كوسيط لانتقاد مظاهر القمع الكامنة في التوسع الإمبريالي للتاج البريطاني.
تكتسب أعماله أهمية خاصة في ظل التوجّه المتزايد نحو التحليل ما بعد الاستعمار، إذ تقدّم الانتقادات التي طرحها في "رحلات غوليفر" رؤية صارمة وصادقة للتحاملات المتجذّرة في مجتمع قومي استعماري. وبينما تتضمّن التحليلات الحديثة للأدب البريطاني في الحقبة الاستعمارية عادةً منظور ما بعد الاستعمار، تميل التحليلات التاريخية لأعمال "سويفت" إلى تجريده من الأبعاد السياسية، متجاهلة المنظور الاستعماري الجوهري الذي كتب من خلاله.
وهذا ما يدعونا إلى دمج التحليل الأدبي لرواية "رحلات غوليفر" مع نظرية ما بعد الاستعمار الحديثة، بهدف تحديد الغرض من سخرية "سويفت"، والتأثيرات التي تخلّفها هذه السخرية على مجال الدراسات الأدبية لما بعد الاستعمار.
تقوم رواية غوليفر على نقد الاستعمار البريطاني ونقد القومية البريطانية والغرور السياسي وتقرير النسبية الثقافية: كيف أن ما يبدو "غريبًا" في ثقافة ما قد يكون " عاديًّا " في أخرى مع شيء من النظرة التشاؤمية للطبيعة البشرية خاصة في الجزء الأخير من الرواية وهذا أمر طبيعي بما أن المؤلف إيرلنديٌّ خاضع هو ومجتمعه لقوة استعمارية طاغية لا يجد أحد منها فكاكًا ولا عنها خلاصًا، كل هذا بلا ريب يدخل في مسألتنا هذه من أوسع أبوابها ويعد أرضية صلبة له ومقدمات محترمة لما عرف بعد بالنقد الثقافي ونحن لا نجادل في أهميته ولا في دوره الكبير في تشريح المجتمعات ولا في تحديد مكامن المشكلات ولا في معرفة الحالة الاجتماعية السائدة ربما يندرج ذلك كله تحت علم النفس الاجتماعي ولكنه من باب النص الثقافي عندما نتعامل مع النصوص كأجساد ثقافية عندما يقوم الطبيب (الأديب الثقافي) بوضع سماعته الأدبية عليها لمعرفة ما هو أبعد من النص الظاهر وهو عمل جيد ولكنه يحرمنا من القيمة الجمالية، فالنقد الثقافي قد يكون هو عدو الجمال فأنت عندما يضع لك الطاهي طعامًا شهيًّا في أبهى صورة وأجمل تكوين وألذ طعم وتكون أنت نباتيًّا تأخذك الرأفة بالحيوان وتقوم بإلقاء محاضرة عن حق الحيوان في الحياة فهذا قد يكون حقًّا ولكنك ستحرم المجتمعين من سعادة حقيقية وفرها هذا الطاهي المحترف أما "أرنولد" فكان أحد الآباء المؤسسين الأوائل لهذا الاتجاه النقدي في القرن التاسع عشر رغم أن مصطلح "النقد الثقافي" لم يكن مستخدمًا في عصره بالشكل الذي نعرفه اليوم فتجد نقده للطبقة الوسطى الإنجليزية في كتابه "الثقافة والفوضى" (1869) عندما كانت بريطانيا تمرّ بتغيرات اقتصادية واجتماعية ضخمة نتيجة للثورة الصناعية، فظهرت طبقة وسطى قوية ذات نفوذ اقتصادي كبير، لكنها من وجهة نظر "أرنولد" كانت تفتقر إلى الذوق الثقافي والتفكير العقلاني.