(إلى روحِ ابْنِ أخي "إلياس"، المَقتولِ غَدْرًا.)
"لا يُمكِنُكَ أن تَتَصَوَّرَ كَمْ هُوَ شاقٌّ قَتْلُ إِنْسان!"(1) (غابرييل غارثيا ماركيز)
منذ وُجِد الإنسان وُجِد القتل، فكان أبشعَ فِعلٍ دالّ على رفضه للاختلاف، وخضوعِه لمشاعر الغيرة والحسد والحقد، وسعيِه إلى نبذ الآخَر وإقصائه، كأن الآخَرَ فعلا هو الجحيم، كما قال سارتر.
ومنذ جريمة قابيل ضد أخيه هابيل ظل تاريخ البشرية سلسلة متلاحقة من جرائم القتل، لا تكاد تتوقف إلا لتُستأنَف. بل إننا عرفنا، عبر تاريخنا الذي اقترن بتاريخ الجريمة، أنواعا مختلفة من القتل، بأسماء متعددة، والمسمّى واحد. فظهَر القتل العمد، والقتل الخطأ، والقتل الاضطراري، والقتل الرحيم... ناهيك بالحروب المدمِّرة التي تأتي على الأخضر واليابس، وتقضي على الجاني والبريء على حد سواء. ويبلغ الأمر منتهى البشاعة عندما يصبح القتل وسيلة للإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، كما يحدث الآن على أرض فلسطين، دون رقيب أو حسيب...
في البدء كان القتل:
أول جريمة عرفتها الخليقة هي قتل قابيل لأخيه هابيل، وهما أوَّلُ ابنَيْن لآدم بحسب "العهد القديم". كان قابيل يشتغل في الأرض، بينما يرعى أخوه هابيل الغنم. وعندما قررا تقديم قربان إلى الرّب قدّم قابيل ثمارا من محصول أرضه، وقدّم أخوه هابيل سِمانَ غنمه، فتُقُبِّل قربانُه، ولم يُتَقبَّل قربانُ قابيل، لمخالفته لشرط الذبيحة الدموية التي تطلَّبها الرب. ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (2). اغتاظ قابيلُ من ذلك فأقْدَم على قتل أخيه. فكان أولَ من سَنَّ القتل.
تعرَّض قابيل بسبب فعلته لعقاب شديد، لازَمه طول حياته. كان عقابا نفسيا تجرّع خلاله آلامَ الخُسران والندم. ﴿فطوعت له نفسُه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾. (3) خسِر أخاه، وخسِر علاقته بخالقه، وخسر دنياه، لأنه أسخط والديه عليه، وعاش منبوذا من أقاربه وأهله، ثم خسِر مكانته كابنٍ لخليفة الله في أرضه. ﴿فأصبح من النادمين﴾ (4). والندم شعور بالأسف والحزن بعد ارتكاب خطأ أو اقتراف ذنب. فما بالك إن كان الذنب في فداحة من قتَل الناس جميعا؟ قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (5). ندَمٌ تَفاقَم بعد عجزه عن التصرف في جثة أخيه، لولا أن لقّنه الغرابُ درسَ الدفن، وتَفاقَم أكثرَ بعد اضطراره إلى الهرب من حضن الأسرة والتيه في الأرض مذموما مدحورا. ناهيك بالعقاب الذي يتوعَّده به الله في الآخرة. ولعل أبلغ تصوير لندم القاتل هو الذي نجده في رواية "الجريمة والعقاب"(6) لفيودور دوستويفسكي، إذ عاش القاتل روديون راسكالنكوف بعد اغتياله للعجوز المرابية أليونا إيفانوفنا حالة من الصراع النفسي الشديد بين عقله ومشاعره، وانتهى به تأنيب الضمير إلى الاعتراف بجريمته وتقديم نفسه للعدالة.
بداية تقنين عقوبة جريمة القتل:
كثيرا ما تَعتبِر الدراساتُ التاريخية شريعةَ حمورابي أقدمَ نموذج للقوانين المنظِّمة للحياة الاجتماعية. غير أن نزول الدين، مع بدء وعي الإنسان وتَشَكُّل المجتمع، في مراحل سابقة عليه، حمل معه منظومةً من القيم والأخلاق التي يتطلبها التعايش بين الناس وسط نظام اجتماعي. فظهرت الوصايا العشر التي تُمثل الحدَّ الأدنى لحفظ العلاقات الاجتماعية، منذ عهد نوح وإبراهيم مع ما كان يُسمّى المندائية، قبل أن تظهر في ألواح موسى. وجاء بعضُ ما في تلك الألواح مطابقا تماما لما اشتملَتْ عليه شريعة حمورابي الذي وُجِد قبل النبي موسى بحوالي أربعمائة سنة حسب التلمود.