"يحتاج العقل البشري لفكرة الكمال التام التي يستخدمها كسلم يرجع إليه من أجل أن يتمكن من تحديد نفسه"[1].إن السياق خوض في هذا المبحث هو الرد على من يربط التفكير الفلسفي الحر بالتشكيك في قدسية الدين ومن يتهم معظم الفلاسفة بالإلحاد وهم منه براء ويأتي أيضا لإبراز حضور المسألة الدينية كمنطلق نظري ومسطح محايثة أخلاقي لدي مفكري الحداثة والتنوير. ولكن السبب الأبرز هو البحث في خلفية اعتبار البعض من الكانطيين الجدد وخاصة جيل دولوز[2] كانط هو أول القائلين بموت الله على الصعيد النظري قبل نيتشه خاصة لما فرق بين المعرفة العلمية الخاضعة للتجربة والتفكير الفلسفي المبحر في التجريد وبين المظهر الخارجي الموصوف والجوهر الباطني الملغز وأكد استحالة معرفة الأشياء في ذاتها وأن الغيبيات هي موضوع للاعتقاد والتسليم فحسب ولما جعل البرهنة على وجود الله في نقد العقل المحض واحد من ثلاثة نقائض antinomie يقع فيها العقل البشري.
ربما تكون مثل هذه الآراء واحدة من المبررات التي جعلت تيار الوضعية المنطقية مع حلقة فيانا والعلمويون المغالون ينتزعون تأويلا ابستيمولوجيا من المدونة الكانطية الثرية وينظرون اليه باعتباره واحدا من المنهجيين الملحدين ومن الناقدين الجذريين للميتافيزيقا والدين والمشيدين للحداثة بالمعنى العلمي محتجين بقولته الشهيرة:"ما من ثورة في مجال العلم وإلا وكانت ثورة في مجال المنهج".
لكن ألم يستعد كانط بالأخلاق والدين ما كان قد أضاعه بالمعرفة والعلم؟ ألم يكن يترك زمنا معينا للإيمان أثناء الوقت الذي يتفرغ فيه للتأمل الفلسفي العميق والبحث العلمي الشاق؟
يحدد ماركس للفلسفة مهمة جديدة، هي تغيير العالم.و موقفه هو موقف مادية الممارسة* التي تفكر في كل الأشياء انطلاقا من النشاط الذي يبذله البشر.
"من أهم أغراضي أن أقنع القارئ بأن كل المواضيع التي يتعلق بها هذا الكتاب إنما هي في آخر التحليل موضوع واحد، وأن تلك الموضوعات إنما هي سبل ووسائط مختلفة تؤدي إلى مركز مشترك وفي تقديري أنه على فلسفة الثقافة أن تكشف ذلك المركز وأن تحدده."
"لقد مات التأويل ونشأت التأويلات"
لقد أفضت موجات الحداثة المتتابعة الى تقدم هائل في العلوم الطبيعية لاسيما في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ولم يعد من السهولة بمكان قياس قدرات الأنسان في السيطرة والتحكم بالطبيعة وتجييرها لصالحه .. فضلاً عما تحقق من تقدم ورقي في مضامير الحضارة والثقافة .. يعد طفرة أفتراقية هائلة عن مرحلة القرون الوسطى .. أنجلت عن تطور نوعي كبير تمخضت عنه (( حياة أجتماعية مترفة تصوغها أنظمة قانونية ونظريات معرفية )) لكن هذا التطور الكبير بأدواته التكنولوجية الجبارة ، لم يخلق التوازن النفسي المطلوب للجنس البشري ، وبالتالي لم يوفر للأنسان بحبوحة السعادة المرتجاة .. رغم هذا الترف والثراء الفاحشين .. أن هذه الأنجازات العلمية كلما حققت تقدماً أكبر كلما أفرخت مخاطر تهدد سعادة الأنسان وتنغص سلامة البيئة .. ذلك أن الأنسان الحداثي أتجه بكليته الى العلوم الطبيعة ، وفي غمرة أنغماسه في مد التقدم التكنولوجي غفل أو تغافل عن المعارف الأخلاقية والفلسفية .. مما أوجب ضآلة في نمو العلوم الأجتماعية إذا ما قيست بالعلوم الفيزيائية .. الأمر الذي قضى بحدوث صدع بين الفلسفة والعلم .. ولعل عجز العلم عن أن يجعل من تقدمه خيراً عميماً للأنسان ، يجنبه آثاراً جانبية مؤذية للأنسانية ، أنما هو وليد ذاك الصدع .. يقول لويس دي بروليه : (( نشأ في القرن التاسع عشر حاجز بين العلماء والفلاسفة . فالعلماء ينظرون نظرة شك الى تأملات الفلاسفة التي كثيراً مابدت لهم وقد أعوزتها الدقة في الصياغة كما أنها تدور حول قضايا عديمة الجدوى ولاحل لها . أما الفلاسفة فلم يعودوا بدورهم مهتمين بالعلوم الخاصة لأن نتائجها كانت تبدو محدودة . ولقد كان هذا التباعد ضاراً بكل من الفلاسفة والعلماء )) .
" لكي تتكون جماعة أخلاقية يجب أن يخضع كل الأفراد إلى تشريع عمومي واحد ويجب أن يعتبروا القوانين التي توحدهم بوصفها توجيهات من مشرع مشترك"[1]. عمونيل كانط
"
سقراط ،اسم يكاد جميع المتمدريسين يعرفه ،حتى ولو لم يعرف شيئا عن حياته وفلسفته، وهو عند المتخصصين في الفلسفة من انزلها من السماء الى الأرض ،اي من تفكير مجرد متعالي الى فكر داخل الاسواق ووسط العامة وفي الردهات والاروقة ،منه ينطلقون في تأريخهم للفلسفة ومنه يحددون معناها.
ليس في وارد هذه المقاربة توخي النظر في الجذور التي أفضت إلى غياب الفلسفة وما لابسها نظرياً وتاريخياً , على أهمية هذا وخطورته , وليس القصد من وراءها الوقوف على المآلات التي تناتجت عن هذا الغياب في الفضاء الثقافي العربي العام , من غيابٍ كلّي أو شبه كلّي لسلطة العقل ومرجعيته لصالح مرجعيات ما قبل معرفية مُعتمة , تناسلت ولم تزل بما هو أشد ظلاميةً وقتامةً , لدرجة بتنا نلمس فيها التأثيرات الناتجة عن ذلك ونعاين تجلياته في واقع التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي العربي الذي نشهده بين ظهرانينا .
" للبيروني نظريات في علم الطبقات والأزمان الجيولوجية... وتقترب نظرياته في هذه العلوم من النظريات الحديثة... ولم تكن هذه النظريات معروفة عند اليونان ولا منتشرة بين معاصريه. ويمكننا أن نعده لذلك من رواد العلوم الجيولوجية، خاصة وأن هذه الأفكار العلمية الصائبة لم تنتشر في أوربا وتأخذ طريقها إلى أبحاث علماء النهضة كليونارد دافنشي وأمثاله إلا بعد وفاة البيروني بعدة قرون."[1]
يرى المفكر علي حرب في كتابه (( الماهية والعلاقة ، نحو منطق تحويلي )) أنه بصدد إجتراح منطق أسماه المنطق التحويلي بوصفه نقداً للمنطق الصوري .. ويقوم منطقه على أساس القراءة النقدية التحويلية (( على نحو يتيح إبتكارات مفهومية وصيغ عقلانية مختلفة )) .. من أجل إنتاج إمكانيات جديدة للتفكير تعيد تنظيم العلاقة بين الوعي واللاوعي كما ترتب علائق المفهوم بموضوعه أملاً في ولوج المناطق المحرمة التي لم تطأها هواجس المفكرين .. وهو ينشد من كل ذلك الى إبتداع ممارسات جديدة للفكر تنطوي على علائق مبتكرة بالفكر أي علاقة الفكر بالآخر سواء أكان لغة أو ذاتاً أو معرفة أو شيئاً أو حركة أو منهجاً ... الخ ، وهنا نريد أن نسجل بعض الملاحظات كمناقشة لبعض إطروحاته سيما في الصفحات الأولى من الكتاب إذ يقول : (( إن النشاط الفكري ، هو ضرب من ضروب الممارسة . إنه خبرة وجودية بالمعنى الأصيل للكلمة ، أي هو مراس ذاتي وصناعة للحقيقة بقدر ما هو تجربة حية تصاغ بلغة مفهومية )) .. إن النشاط الفكري هو كفاءة أنطولوجية وليس خبرة وجودية فحسب ، هذه الكفاءة / القدرة متآتية من تأصيل عوامل عديدة منها الخبرة وخزين المعلومات والصفاء العقلي ... الخ ، كما لايمكن إعتباره مراساً ذاتياً بعيداً عن البيئة وحتمياتها وسيروراتها .. فضلاً عن إعتباره معني بصناعة الحقيقة فأمر مشكل إذ إن مهمته البحث عن الحقيقة لإعادة تشكيلها ليس بمعنى نمذجتها بقدرما مايتغيا مقاربة المعنى .. وإضاءة المفهوم . ثم يصف منطقه بأنه : (( يتجاوز منطق الهوية والمطابقة )) .. إن تجاوز الهوية ليس بالأمر المتاح وبالسهولة التي يتم طرحها ، نعم التحرر من تابوهات الهوية والإنطلاق مع إنفتاحها وشفراتها ، وإشتباك تلك الشفرات بشفرات ضدية في عملية ترميز تتعاطى مع المعاني الكلية التي صارت حاجة الفكر الإنساني إليها مسيسة في عصر الجدل التكنولوجي الذي راح يغرق الإنسان في (( أتوماتية لاواعية )) قد تحول إنسان التقدم العلمي والتكنولوجي العظيم الى إنسان جملي مشبع بالهمجية بقدر تشبعه بتكنولوجيا المعلومات والتقنيات المستحدثة . نعم ذلك الإشتغال على علائق المعنى هو الكفيل بالإنعتاق من قيود المطابقة والتحرر من منطق الهوية القار . أما قوله بأهمية إنفتاح الفكر على (( كثافة التجربة وإشتعالات الحدس وألاعيب الدلالة )) ، فإن الفكر الحديث يكاد يغرق في التجريب منذ بيكون حتى تسيّدت التكنولوجيا على االعلم الذي أصبح تابعاً ووليداً لها .. والإهتمام بألاعيب الدلالة والجدل اللفظي ، قد يرى الى حركة الفكر المطلوبة في البيان بدلاً من البرهان ، وهذا الرأي قديم منذ عصر السفسطة .. وجديد حسبما ماظهر من مناهج جمالية كالبنيوية والتفكيكية التي تقوم على أساس اللعب الحر للغة .. وقد تنتهي الى العدمية اللاغائية . فالمنطق التحويلي في نقده للمنطق الصوري ربما كان محقاً ليس بمعنى أن الأول صحيحٌ والثاني خاطيءٌ .. بل ربما كان الثاني يكتسي الكثير من الصحة ، لكنه أي المنطق الصوري غير منتج لأنه فكر دائري تموت فيه الحركة في نقطة البداية .