"الحداثة التي تخصنا:لقد قيل لنا أن الفلسفة النقدية المطبقة على التاريخ لها مهمة مبدئية وهي التفكير في الحدود التي تطمح ان تتخطاها معرفة ساعية نحو المطلق عن التاريخ في حد ذاته. ان تناول التاريخ كمفرد جمعي يشيد موضوعه بنفسه - التاريخ- هو التعبير الأكثر وضوحا عن هذا الطموح، لكن هذا الاختبار ليس هو الاختبار الوحيد. إذ يعارضه بالتناظر شكل ثان أكثر تكتما من الادعاء نفسه: يتمثل في الارتفاع بالحاضر التاريخي المشيد الى المطلق بالاعتماد على الملاحظة وبالنظر المحقق في كل الأشكال التي سبقته وبالخصوص الأشكال الثقافية.
يتخفي هذا الطموح وراء خصائص براقة لمفهوم قد سلم منذ البدء من كل تذبذب في مستوى تخطي الحدود هو مفهوم الحداثة. لا ترفع المطالبة المستحيلة المتعلقة بهذا المفهوم الا عندما أعطيناه صياغته النهائية والصحيحة وإلا تكلمناه وكتبناه الحداثة التي تخصنا.
لا يتعلق الأمر البتة على الأقل سوى بالفكرة التي يشيدها زماننا عن نفسه في اختلافه وجدته بالمقارنة مع الماضي. وكثيرة هي التعابير المترادفة مع فكرة الحداثة مثل خاصتنا وزمننا وعصرنا وحاضرنا.
ان السؤال هو الآتي: كيف يقدر زمننا أن يفكر في نفسه بشكل مطلق؟
انه أكثر الأسئلة دقة بالتناظر مع السؤال الذي اهتممنا به منذ قليل أعلاه: يتعلق الأمر اذن بالتاريخ برمته من حيث هو مفرد جمعي يطمح أن يطرح نفسه بشكل مطلق كموضوع لذاته: التاريخ في حد ذاته.
يرتد الطموح الى المعرفة المطلقة بالانتقال الى هذا الموقع غير الثابت الى المعارض المضبوط لهذا المفرد الجمعي والذي يعني اللحظة التاريخية المفردة والآنية من التاريخ الحاضر.
بيد أن هذا الطموح هو اليوم حيا أكثر حتى ولو أن ما يعتبر نقيضه قد وقع التخلي عنه بصفة عامة. مما لا شك فيه أن المطالبة التي تحركه مازالت قائمة مثل البقية تقريبا تحت تأثير النقد والالتصاق المرجعي بالتاريخ الكلي تحت مسميات تاريخ العالم أو التاريخ الكوني والتي تتقاطع في عمقها التيارات التاريخية المشخصة من طرف المؤرخين.
انه يمكن أن توجد لاأدرية صارمة تجاه فكرة الحداثة غير قابلة للتطبيق. لكن لماذا لا نطمح بالفعل الى القول في أي وقت نعيش ولماذا لا نقول اختلافه وجدته بالمقارنة مع كل الأوقات الأخرى؟
الحرية هي صيغه متكاملة ومتفاعلة في حياة الإنسان تنبثق من فاعليته الفكرية والسلوكية وترتفع خارج إطار الفردية و السكونية ,تدفع الواقع نحو الاتساع والتنوع في اختيار المواقف والتعامل معها بفاعليه وبشكل يحقق انتفاع الجميع من اختيارها كواقع يحض على تفعيل الإبداع والسلوك بعيدا عن الأنانية وجميع أشكال الصدام المبنية على تحقيق النفعية ضمن واقع مختلط بجميع الأمزجة والأهواء الفردية المتنوعة وتعزيز القيم المتساوية البعيدة عن الامتياز ضمن الواقع المعاش .
لم يكتف ابن رشد في تلخيصه لجمهورية أفلاطون بتجاوز هذا الأخير إلى أرسطو، بل تجاوز أرسطو، والواقع اليوناني الاجتماعي والتاريخي عموما، إلى الواقع العربي في عصره (وقبله وبعده).
كثيرا ما يطرح علي هذا السؤال : ما علاقة الشعر بالفلسفة ؟ والسؤال هنا هو تساؤل عن وضعي الخاص . أي كيف يمكن لمشتغل بالحقل الفلسفي أن يكون منتجا للقول الشعري ؟ أو بتعبير آخر : هل أتيت إلى الشعر من الفلسفة أم العكس ؟! إذن كلها في نهاية المطاف تساؤلات تدور حول تجربتي الخاصة في ممارسة الشعر والاشتغال بالحقل الفلسفي . لذلك سيكون عرضي أكثر ميلا إلى التأمل في هذه التجربة الذاتية ومحاولة استنطاقها.
الأستاذ جان باتوشكا[2] الذي وارى الثرى الخميس هو واحد من ثلاثة ناطقين رسميين باسم دستور 77. أريد أن أضيف بعض السمات للنصب الذي أقامه مانيال لوكيارك عن الفيلسوف التشيكي بعنوان: قوة الطبع. وأريد أن أعرف السبب الذي قاد تلميذ هوسرل مؤسس الفلسفة الفنومينولوجية الى أن يكون على رأس حركة تهتم تحديدا بالدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية وهذا هو الذي طالب به باتوشكا وما يجب أن يضمنه دستور77 بالنسبة الى الفكر.
حين مضى إيمانويل كانط ليسأل "ماهي الأنوار؟"، كان على يقين من أنَّ مهمته تتعدَّى مقام التعريف، فهو لم يكن يبتغي الاكتفاء، وحسب، بتوصيف ماهية الأنوار، وإنَّما توخَّى قراءة سيرورة التجربة، كما هي في صعودها وهبوطها، وفي أنظمة القيم التي أطلقتها سحابة الفترة التي عايشها فيها.
خصص ا.فانزيني، سنة 1975، فصلا للحديث عن علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية، حيث جعل منها علاقة« صراعات وشكوك »، وّبين أن الحاجة للفلسفة كانت بقدر عجز « علوم التربية »البنيوي على أن توليها مكانة خارج إطار إبستيمولوجيا الوضعية الجديدة التي تسعى إلى تبرير وجود تلك العلوم بالاستناد فقط على الإجراء العلمي وحده . وقد لاحظ، بذكاء كبير، أن غياب المصطلح الدال على هذه المعرفة « الما بعد علوم التربية » يشهد على الصعوبات الكبيرة،وعدم القابلية الشبه التامة لحل المشكل كما هو مطروح، بل إن صعوبة البحث التربوي نفسه تجسيد لاستمرار المشكل. لكن ماذا وقع بعد مرور عشرين سنة على هذا القول ؟ إذا كانت القاعدة المؤسساتية لعلوم التربية قد ترسخت، وإذا لم يعد مقبولا أن تشطب الوزارة عليها من ضمن لائحة المعارف الجامعية، وبغض النظر عن كل النزاعات الممكن خلقها لها،فالسؤال الجوهري الذي وضعه أفانزيني لا يزال مطروحا. ففي إطار التحول العميق الذي تعرفه البنية السوسيوثقافية الفرنسية، أصبحت الدعوة إلى التفكير في المعنى داخل الحقل التربوي أكثر إلحاحا من نقل مكتسبات العلوم الإنسانية و الاجتماعية والنفسية إلى المجال البيداغوجي الذي ظلت آثاره على التجديد بعيدة عن ما كان مأمولا فيه، بل، على العكس من ذلك، كان ذاك النقل سببا في شيوع جو من الغموض والخيبة، في الوقت الذي ظلت فيه ال « فلسفة الفرنسية »، في الطرف الآخر، تصب جام غضبها على معرفة تعتبرها مغتصبة. ترى، هل ستكون لدينا الجرأة على المراهنة على الأزمة التي تعيشها، ببلادنا، العلوم الاجتماعية والفلسفة على حد سواء، لجعل فعل التفكير في التربية يتقدم ؟.قد لا يكون الرهان متهورا إلى حد كبير: لنعمل على بلورته.
العقل الكوني مندمج في بنية الوجود التفاعلية والتبادلية وهو نظام للحركة المعرفية والبنية المولدة للوعي المرتبط بماهيتها والقادر على تشكيلها بدلالات وعيها لقوانينها والتطبيقات الجارية وفق هذه القوانين المرتبطة بمختلف المجالات وتطويرها بما يطابق نظام العقل المرتبط بالحياة.
تمهيد
"ان ثقافة أضاعت قيمها لا تستطيع الا أن تنتقم من قيم الثقافات الأخرى".
إن مسألة العلاقة بين الحقيقة العلمية والنظريات المعرفية (الابستمولوجي) قد أثارها الفكر الأوروبي الذي بلغ ذروته في الماركسية وعلم الاجتماع ونظرية المعرفة- والظاهراتية، والشكلانية.. الخ)، طبقاً لوجهة النظر فإن نظرية المعرفة (الابستمولوجية) تعتبر بطبيعتها قطيعة معرفية ما بين التاريخي والمنطقي، وهو أمر يتسم بالحقيقة لأنه لا يستلزم التمويه أو إخفاء المصالح المعرفية (الابستمولوجي) ويضاف إلى إدراكها على أنها فجائية مع (العلم) بمعنى أنها تتساوى مع مفاهيم عقلانية، وتتساوى مع العقل المعرفي أو الواعي والمنطقي، وهو يشكل نسق متواتر متفاعل للوصول إلى الحقيقة الأنطولوجية، وبالتالي حينما يتم تطبيق الأداة العملية بشكل دقيق فتظهر القطيعة المعرفية مع التاريخي والمنطقي. لكن هل يمكن أن ينهض الفكر العربي المعاصر على أسس ابستمولوجية تقييمية دقيقة وبشكل جدي؟