قال الحطاب لصغيره وهما يخوضان في حشائش الغابة الكثيفة التي تتوسد جبال الأطلس :- سنجمع تلك الأعواد هناك يا بني
وأشار إلى قمة الجبل
قال الصغير وهو يستند إلى صخرة وقد نال منه التعب:
- لماذا لا نقطع هذه الشجيرات هنا بدل الصعود لجمع ذاك الحطب اليابس هناك في الأعلى؟
- هذه شجيرات ينبغي أن تكبر أما هناك فثمة أشجار ميتة يا بني
وبدا أن التعب كان أكثر إقناعا للصغير من منطق الأب فرجاه ثانية وتوسل إليه ولما يئس تماما قال:
- وماذا كان الله سيخسر لو جعل هذه الشجيرات الصغيرة هناك في القمة وتلك الميتة هنا؟
أشفق الحطاب على ابنه وقال :
- حسنا استرح هنا وسأصعد أنا وحدي لأجلب ذاك الحطب هناك.
صعد الحطاب الجبل بمشقة كبيرة فيما كان الصغير يراقب أباه بدا له رجلا عنيدا، لاحظ الصغير أن أباه كلما صعد الجبل إلا وتضاءل حجمه كان يصغر ويصغر وتضيع تفاصيله ثم صار نقطة سوداء تضاءلت في صعودها حتى اختفت .
هبت نسمات الصبح الأولى ، مؤذنة باشراقة يوم جديد . هناك ، على عتبة بيته القديم ، كان إدريس يقف كعادته منتظرا تربع الشمس في كبد السماء ، لتصبغ سماءه العلوية بلون وردي مصقول بالذهب .
تطلع للأفق بعينه الصغيرة، فتراءت له أنوار روحانية تتراقص على ضباب كثيف بملابسها الشفافة، لتتشكل كحوريات تسبح في فضاء شاسع، يبعث على السكينة والإلهام الفني.
كان منكمشا في أحد أركان الغرفة المتهالكة.. نظراته تتفحص الأشياء المبعثرة بشكل فوضوي على الأرضية المتربة ، وتحاول التوغل في كنه الأشكال التي نقشها التآكل المزمن ، والرطوبة المتواطئة على الجدران المهترئة.. يلذ له أحيانا في لحظات البياض وصفاء الذهن ، أن يتأمل تلك الأشكال ويتملى فيها .. لقد صاحبته منذ الصغر، ونمت مع نموه ، وهي بذلك ذاكرة أخرى ملازمة لملوحة عيشه .. يرى فيها صورا ووجوها وأجسادا وهمية ولكنها بالنسبة إليه حقيقته المطلقة.
ها أنذا ألج أسوارك بعد غياب قسري طويل ..لا أدري..ربما يكون ذلك من منح القدر التي تستوجب الشكر .
يتذكر البريق الذي فاجأه في ليلتهما الأولى.. ابتسامتها الدافئة التي أنقذته من الزغاريد المهللة خارجا. لم تأت إليه مرعوبة أو مترددة. كانت تتوسط غرفة النوم مدثرة بلباس نوم أبيض شفاف. . في تلك اللحظة بالذات شعر بتيار ساخن يخترق جسده واستعاد شيئا من روحه الشابة.. تمنى لو أنه سمح للحلاق بأن يغطي الشعر الأبيض الذي غزى بعض رأسه. . انتصب واقفا، رفع رأسه في هيئة محارب وتقدم منها، واثقا...بقيت هناك، مستسلمة، دافئة بينما انقض على جسدها الفتي..
مع أذان العصر، وبعد أن انتهت الأم من نتف ما على وجهها وجسدها الرفيع الأبيض من شعر، وتبقع وجهها بالحمرة التي تخضب بها جسدها، أرسلت الأم طفلها حسان، عمره تسع سنوات، ليشتري لها فلقة صابون من السوق، وأعطته قطع النقود المعدنية المطلوبة بعد أن عدّتها ثلاث مرات وفركتها بين أصابعها مرتين، أعطته ثمنها بالضبط بلا أي زيادة أو نقصان، ورغم ذلك نسيت وطلبت منه أن يعيد لها باقي النقود وأن يمسكها بحرص، ويحكم إغلاق قبضته عليها باستماتة، وإلا ستقصف عمره إذا ضيعها.. وما إن خرج حسان من الباب حتى لحقت به أمه ووقفت عند العتبة كالعادة، مرسلة وراءه قائمة التوصيات الخالدة..