لعل الدروب ، التي لا تقود روادها الوافدين ، إلى معانقة موج البحر ، قسرا تطاردهم لامحالة رصاصاتها الظمأى ، حتى آخر زاوية مهملة ، في زنزانة الحرفِ ، حيث يعتقل الحلم ، و بمكعبات ثلج هذا السؤال ينمو الضجر الجميل .حبلى أنتِ .. يا زينة الخطاب و الصورة ، و بوهج شهواتك القزحية ، الآتية من صيف الأمس ، بك تبحر الذات مدفوعة بالأيدي الجسورة .. عالقة هذه الأنثى ، من أطراف خيط عنكبوت أعرفه ، و يتجاهل وقع صرخات البحر المختزنة خلف ستار الرماد . و بين تجاعيد وجهي الترابي تزهر اليوم حروق ، غذتها تناقضات السؤال الصعب عن خيانة الموج لأهله ، هو الآن يزحف نحوي و أشتهيه . و بما تبقى من أغصان النار ، في خنادق الروح ، أمتد مخترقا خرافات هذا البناء المطاطي المشوه لتاريخي الطويل ، الذي أنجبك في ليلة عاصفة ، وعليه تشهد فحولة هذي الجبال الشاهقة .
أنتِ واهمة يا سيدة بلا اسم ، حين تصرين على الحفر العمودي ، تحت أقدام صخوري ، لإسقاط بحري .. و ركوب عنادك الجميل ضد عناصر خبزي ، و شيء من هويتي ، التي دنسها التقليد ، سيقود هذه السفينة العاشقة لتحرير السواعد قبل الأفواه ، المنسوجة أعضاؤها من رجال ، صنعوا التاريخ من أزمنة جميلة ، تكدح تحت سقف القر ، إلى مغارة في جوف وحش يتربص بضحاياه غافلين .
آب السيد "سين" إلى قريته التي غادرها – قسرا – منذ ما يربو عن عقدين من الزمن، في الطريق أنشأ يستعرض ملامح معارفه الذين تركهم منذ ذلك التاريخ، ترى كيف سيكون عليه حالهم؟ هل ما زالت الابتسامة ترتسم على الوجوه؟ هل لا زالت قهقهات الأصحاب تتعالى، وهم يتجادلون بصخب؟ هل ما زالت عجائز القرية يغمرن بالحب والحنان كل مار بهن؟ وهل ما زلن يرشقن الصغار بدعوات الخير والبركة؟ … سيل من الأسئلة تدفق على السيد "سين" منهمرا، كالشلال وانبرى شريط الأحداث والوقائع : وقائع "ولدنات" الصبا يمر أمام عينيه، كمناظر الحقول التي يطل عليها من نافذة سيارته من نوع (فياط 127) … وهو في طريقه توقف مرات متكررة، في هذه المقهى وتلك، في هذه البلدة أو تلك، يقهي ويستريح لحظات، ليعود فيستأنف المسير، تهدهده مشاعر رقيقة، وتتراءى له أحلام جميلة، لا يكدر صفوها إلا يقينه من أنه لن يتملى برؤية وجه عزيز رحل من قبل تاركا في قلب "السيد سين" ندية لا تفتأ أن تنكأ …
يكفُ مبارك عن " فلي " ياقة قميصه ٬ يتفقَد مذياعه الذي يشتغل بدون مؤشر المحطات ٬ يجرب المذياع على محطات مختلفة ٬يلوك شتيمة ٬ قد يكون المشتوم مذيعة أو رئيس نشرة الأخبار أو مديرا أو وزيراً ٬ يضع المذياع جانباً حين ينال كل فرد حظَََََّّّه من الشًتائم٬ يرتب صفحات الجرائد والأوراق وبيانات الأدوية ويركنها في مكان من مخبئه الذي اتخذه في ركن من الحديقة العمومية المتهالكة ٬ يضع إطار نظَارة على عينيه وينحدر نحو مركز المدينة .
هذا الصمت المشروخ الوجه ، ليس كباقي عطور صمت الرجال النابتة ، في حقول خريطتنا العطشى ، و التي ما فتئت تنمو ألوانها الحالمة بنور حجارة حارقة ..، و كالأفكار البريئة هذه الأمواج البطيئة تخترق الكائن ، .. هي بلا شك ، في حاجة إلى دفعة أخرى ، من سحر عصا موسى ، حتى يزبد البحر ، و إلى مجراه الغريب يعود النهر غانما و طليقا .
حين أكّد لها الطبيب أنّهُ في النّزْع الأخير، طلبتْ تلقينَهُ الشهادة،لم تنسَ في عزّ الأزمة تنفيذ وصية أمّها، ستأتي عليه ساعة تفعلين به ما تشائين.
وجئت بعد انتظار لم يطل، فغنوا ورقصوا وزغردوا...
دخل الصرصار الكبير قاعة المحاضرات بهندامه الأنيق وربطة عنقه التي استوردها من بلد أجنبي ، رفع نظارتيه فوق جبهته ، أعادها إلى موضعها على عينيه ... ألقى ببصره بعيدا ... في القاعة كل أنواع الكائنات الصغيرة والكبيرة ... الصراصير والبراغيث والنمل ... تنحنح الصرصار ذو الشهامة ، لم يلتفت إليه أحد ، صرخ بأعلى صوته ... محاضرتنا اليوم حول موضوع : فلسفة الصرصارية ، أو بلاغة أن تكون صرصارا ... تنحنح مرة أخرى ... ضرب بيده عدة ضربات على المنصة ... الانتباه أمر ضروري ... رفع الحاضرون من الصراصير والبراغيث والنمل ... رؤوسهم عاليا ... فاستعد للحديث ، ومما قاله في ذلك اليوم المشهود : أعزائي الصراصير ، أود أن أخبركم أن الصرصار كائن عملاق ... كائن يقاوم العشرات بل المئات من الإشعاعات النووية ... يتحدى ما يعجز الإنسان المغرور عن تحديه ... أعزائي الصراصير ... سأكلف صرصارة صغيرة أمامي بأن توزع عليكم استمارة من الاستمارات التي سيذكرها التاريخ ... وأرجو أن تقرؤوها بتأن وبتمعن ... مطلبنا الجوهري هو أن نرتقي من مرتبة الحشرية إلى مرتبة الحيوانية ... وأفخر وبكل تواضع ، أنني أول من اكتشف أن الصرصار حيوان وليس مجرد حشرة ، وتصنيفه ضمن الحشرات من أخطاء بني البشر ، وأزيد نفسي افتخارا وبكل تواضع دائما ، بأنني أول من تبنى هذا المطلب ...
أشعل ( س . م ) سيجارة من النوع الجيد .. وراح يتأمل دخانها المتصاعد .. ثم قال لصحبه وهو يحاوره ــ رغم علمه بضحالة فكر صاحبه وعدم حبه للجدل ــ : كيف تستطيع أن تجزم أن اللعنة الأبدية أو الأزلية هي لعنة ناتجة عن سلوك بشري معوج ؟