"كثيرون هم الرجال ولكنهم ليسوا سوى ضجيج"كولالة نوري
المقهى: مقاعد إيطالية وأعمدة من رخام..
و من خلف الواجهة الزجاجية الصقيلة, لاح له عاج الذراعين البض لفتاة عشرينية مستجيرة بركن هادئ.
"هذه مقهاي لهذا المساء"
غمغم في مكر ظاهر, وهو يترجل عن السيارة ويوقع أولى الخطى باتجاه دفء الداخل.
المقهى: أناقة باذخة, وجو مشبع بروائح متداخلة , هي مزيج من رائحة الخزامى ودخان السجائر الشقراء ولهاث الغابات القصية .ألقى نظرة عجلى باتجاه فتاة الركن الهادئ , وتحسس حافة طاولة مقابلة لصباحة وجهها :
"ها قد انطلق السهم من عقاله , ومن أعطاف الذات الموتورة تند صيحات الجد الأول لصيادي البراري."
علبة السجائر الأمريكية الزعراء, الولاعة المذهبة, الهاتف المحمول آخر طراز, والمفتاح الأوحد للسيارة الراسية بالخارج (الأكسسوارات المساعدة التي حلت محل القوس والنشاب)..وضع الكل على الطاولة, ثم غطى جنبات المقهى بنظرة جوالة:
كأنني وشم منسي على ذراع مشلولة. أتراءى في مراياي المضمخة بالشقوق والتشوهات جثة عفنة عافتها الديدان. ما الذي يمكن أن يشدني إلى هذا الوجود الأخرق غير تعب آنسته أيامي الموغلة في تفاصيل الهباء واللاجدوى. أجرجر الوقت من قفاه أو يجرجرني الوقت من قفاي؛ الأمر سيان, جار أو مجرور ما الفرق بينهما؟
الجسد الأسمر يرتعش والذراع ، والكف المرفوع أيضا يرتعش ، بشدة ، والسبابة التي ضغطت كبسة الجرس وأطالت ضغطها كانت تنتفض كالعصفور المبلول بماء بارد ، سمع رنات الجرس الشبيهة بزقزقة البلابل الطليقة .. وقف لحظة ينتظر أن تفتح له الباب أخته الأرملة ، هي لحظة تختلف عن كل اللحظات التي مر بها في حياته ، وشعر كأنها تمتد به إلى ملايين السنين ، والأرض تميد تحت حذاءه المغطى بالغبار، لقد نسي أن يمسحه .. ها هو ذا يقف بوجه عابس ، وربما للمرة الأولى في حياته يعبس وجهه المستطيل ، وينخر الحزن عظامه ويحز في أعماق قلبه .. فمعروف عنه أنه كثير الضحك والمزاح ، أو هو كتل ملتهبة وعواصف قوية من الضحك تهب في حين وتضعف في حين آخر ، لكنها لا تنتهي .. وعادة ما يختم ضحكته بصرير أو يتبعها بصفير حاد بعد شهقة عميقة ، فيبدو كأنه يكبحها فجأة بفرامل قوية مثبتة في حنجرته توقف حبالها وتمسك بلسانه .. حتى عندما يضحك ضحكات وانية فهو يهيئ نفسه ومن حوله إلى موجات قادمة عاتية من الضحك الهادر ، كالهدوء الذي يسبق العاصفة ، ومن عادته أن يضحك بذمة وضمير ليمنح النفس حقها في الحياة ، هكذا هو إبراهيم ومن المحال لأي أحد ممن يعرفونه تخيله إلا ضاحكا أو مبتسما في الأقل ..
القدر يدق على الباب*
خميساتك معلقة بالصدر
هاتفتِني
انتظرت حتى اختفت قدماي في عمق التراب . الحافلة الحمراء المرقعة في جهاتها الأربعة ، يبدو أنها لن تصل أبدا . تذكرت مهزلة الثقب الواسع ، الذي بدأت تتفاقم رائحته الكريهة ، في أسفل الكرسي الجلدي .. كرسي سائق الحافلة طبعا ..
في ذكرى رحيل شقيقي، محمد الإدريسي الرغيوي.. وذكرى آخر درس تعلمته منه..