1- تقديم:
لن نسلك في هذه المقاربة سبيل الدرس الأكاديمي التقليدي، وإنما سنترك جانبا القوالب الجاهزة التي اعتاد الدرس أن يتلبسها في مثل هذه المواقف ليناقش محمولات العبارة الشعرية في القصيدة. ونبدأ مما تصرح به الشاعرة نفسها من بوح تحاول أن تبرر به القول والفعل معا. إنها حين تكتب تكتب في خلوة، ولكنها حين تقبل على جمهورها تقوم بتعرية الذات، وفضح أسرارها أمام حشود متعطشة للأسرار والأخبار.. إن العلاقة التي تقوم بين المنشد قصيدته والمتلقي، لا تقوم أساسا على جماليات اللغة، والصور، والعروض، وإنما تقوم على مقامات البوح وما يعمرها من غريب وجديد.. ولا تقوم اللغة إلا خادمة لذلك السريان الخفي بين لسان يدفع، وأذن لا تشبع.
وكم يكون الأمر مثيرا حينما يكون الباث امرأة.. إنها ذلك الكائن العجيب الذي لا تنقطع أسراره، وكأنها تتجدد بتجدد الأيام مع شروق سموشها وتوالي لياليها.. إنك تسمع لها وكأنك تسمع حديثها لأول مرة، سواء تغزلت أو اشتكت، أو رثت، أو وصفت.. إن حديثها دوما.. شاءت أم أبت، حديث مبطن بأسرار.. أو هكذا نريد له أن يكون لئلا يسقط في التسطيح والسذاجة.
وحين نقارب "ربيعة جلطي" من هذه الزاوية نريد للقوالب الجاهزة والأحكام الناجزة أن تتوارى بعيدا عن كل همس يند من كتلة النص، لنسمعه بينا واضحا من خلال حفيف الكلمات وحشرجة الحروف، وكأننا أمام فضاء تلعب فيه رياح يوسف غضوب بأوراق خرفه، تلهو بهن هنيهة وتعود تجمعها بعد شتات..
بداية وبعد الترحيب والشكر على إتاحتك لنا الفرصة لإجراء هذه المقابلة، نود منك إعطاء قرائنا نبذة عن القاص والكاتب يسري الغول، ولمحة عن ابرز أعمالك؟
تحققت في الآونة الأخيرة طفرة نوعية في منجز الشعر الزجلي الذي يعد جزءا هاما من تراثنا الشفاهي ، وذلك بتعدد الإصدارات والاحتفاء بالزجل والزجالين في ملتقيات إبداعية وندوات فكرية أعطت لهذا الإبداع الأنيق صورة جميلة واهتماما واسعا، لما يتركه هذا الفن من جميل الأثر في النفس، ولأنه كذلك كما يقول الشاعر محمد شلهوم (شفاف رقيق يدخل إلى القلب بيسر وسهولة ويتقبله السامع لحلاوة كلماته وشفافيته).وان كان المؤرخون يعودون بالزجل في أصوله الأولى إلى الأندلس فقد تلقفه المغاربة طازجا ووزنوه بموازين مغربية أصيلة ذات سحر خاص، جعلتهم الأولى والأجدر بتسلم هذا الإرث الشعري الشفاهي وحمل مشعل استمرار يته، واستنباته في تربة مغربية أصيلة مهرته بطابعها المتفرد الأصيل.نتوقف اليوم عند تجربة متميزة للشاعر عبد الرحيم بنبيكة من خلال إصداره الأول ديوانه ""الحيمر"".
في يوم من الأيام كنت كعادتي اتجول في سوق القريعة بالدار البيضاء،أنتقل كالنحلة بين ردهات المكتبات التي تبيع الكتب البالية،وأنا أفتش في الرفوف المتراصة أثارني عنوان رواية "خبز وحشيش وسمك" للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي،الصادرة عن إفريقيا الشرق.ٍرايتها تئن تحت ركام من الكتب التي أكلتها الأردة وأصبحت رائحتها تزكم النفوس،وقلت في نفسي لاشك أن هذه الرواية تبحث عن منقذ يخرجها من داخل هذه الوراقة، وينقلها من عتمة الظلام إلى واضحة النهار لتأخذ حقها من الدراسة.
كعادتي دوماً حال انتهائي من قراءة بعض الروايات الفلسطينية التي تستثيرني أحداثها وأفكارها، فإنني أسعى جاهداً للكتابة حول الراوية المقروءة. وأذكر أني كنت قد كتبت سابقاً قراءة نقدية حول رواية (عين سفينة) للروائي الفلسطيني خضر محجز وكانت قراءتي قاسية جداً بالنسبة لمؤلفها، لأنني عملت على سبر أغوار ما كان يرمز له في جوف روايته تلك. وأذكر يومها أيضاً بأن جريدة الحياة الجديدة رفضت أن تنشر القراءة، الأمر الذي دفع بالدكتور خضر محجز نفسه لأن يطلب من الجريدة أن تنشر النقد دون وجود أي معارضة من جانبه، فهي في النهاية مجرد قراءة نصية.
إن سجل القيم واسع شاسع. وعندما ينتقي المؤلف الروائي من ذلك السجل ما يعتقد أنه يتناسب وشخصيته أو أحداثه الروائية، يمهد بذلك الطريق للناقد الروائي كي يسأل إن أفلح المؤلف في ذلك وقدم ما يكفي من العلل لتبرير ذلك الاستعمال الأدبي.
ليس من عادتي الرد على أي انتقاد يوجه لروايتي "السيدة من تل ابيب" التي كانت على القائمة القصيرة لجائزة بوكر العالمية للرواية العربية في دورتها الثالثة 2010، ولا أسمح لنفسي بذلك أساسا. لكن حين يتجاوز النقد أبطال روايتي، إلى المس بشخصي، وينزلق إلى التشهير بي، اعتمادا على أكاذيب، وتلفيق تهم وتزوير للنص الأدبي، وتقويل شخصياتي ما لم تقله، واتهامي بمواقف غير وطنية، في عملية تحريض علني مثيرة للاستغراب، فلن أكتفي بالرد الذي أورده هنا، مؤكدا على حقي المكفول بالرد على مقال السيد يسري الغول، المعنون "بين كتاب في جريدة وبوكر الرواية العربية"، وإنما سأحتفظ بحقوقي القانونية، إذا ما تبين لي، بعد الاستشارة، أن ما ساقه الغول من الفاظ واتهامات وتحريض يقع في إطار الذم والتشهير والنيل من السمعة الشخصية من دون حق أو سند.