شكّل رحيل الشاعر محمود درويش دافعا إضافيا لقراءة تجربته الشعرية التي اكتملت وإن ظلّت وتظلُ مفتوحة على «اكتشافات» جديدة تطلع من غنى الشاعرية. ومن انطوائها على تعددية باذخة فيها الجمالي مثلما فيها الفني. دون أن نغفل بالطبع كل تلك الفضاءات الوجودية والفلسفية والتراثية وحتى الحسّية. والتي امتزجت جميعا لتضع القصيدة الدرويشية في حالة اشتباك دائم ومتجدد مع وعي القارئ وذائقته الجمالية.في الحديث عن تجربة شعرية كبرى كتجربة محمود درويش نجد من الضرورة الإشارة إلى مراحلها المتعدّدة. والتي حملت كل واحدة منها سمات فنية و»قضايا» شعرية ميّزتها. وكان الطابع الأهم في كل تلك المراحل التطور العاصف الذي أخذته التجربة صعودا. وبالذات منذ خروجه من فلسطين. ووقوفه على أرض الشتات بكل ما عناه ذلك الوقوف من ارتطام بواقع الحياة العربية. وبالأخص إشكالية الوجود الفلسطيني في غابة متشابكة من القوانين و»العادات» العربية. وهو ارتطام قفز بقصيدة الشاعر من فردية عزفها على ناي القضية الواحدة وشبه الوحيدة. أي مواجهة الإحتلال المباشر. إلى جدلية التناقضات الحادّة والبالغة العصف لحياة عربية كانت ولا تزال فلسطين تشكل لها عنوانا يتجاوز الإحتلال إلى عناوين أخرى كثيرة هي في المآل النهائي قضايا الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والتنمية. والتي تجعل من فلسطين أكبر من مساحتها الجغرافية. بل تجعلها وسيلة إيضاح للمأزق العربي برمته.
يختط المبدع المصري إدوار الخراط لكتابته الشعرية، مناحي احتمالية تستتيح لها آفاق حرية الاستخفاف بالتوسيم الجنسي القار، والانشراع على شتى الأجناس الأدبية والتآلف معها في منظومة تجانس متراكب، له من الطواعية ما يبديها جنس أجناس تتحاور ضمنها حول احتمال من احتمالاتها المتعددة.
ثراء عصر الباروك الموسيقي مازال أمرا مثيرا للدهشة ، في هذا العصر الذي يحدد المورخون بدايته ببداية القرن السابع عشر (١٦٠٠) و ينهونه تقريبيا بوفاة "باخ " عام ١٧٥٠ بلغت الموسيقي أوج بهائها و إزدهارها، ٌآزدهارا لم تعرفه في عصور سابقه بل و ربما في كل تبعه من عصور أو يجدر بنا القول أن ما عايشته الموسيقى في هذا العصر من تطور كبير في القواعد و الأساليب كان أضعاف ما عرفته من تطور في تاريخها السابق كله و ما أرساه من تقاليد فنية كان أساسا للتتطورات اللاحقه في القرنين الثامن و التاسع عشر.امتاز تيار موسيقى عصر الباروك باتساع و تنوع رقعته، فلم يقتصر الإنتاج الموسيقي علي قطر واحد بل اتسع ليشمل عددا من المدارس المختلفة في العديد من البلدان الأوربية فبدأ بدايته الحقيقية في إيطاليا بظهور العبقري مونتيفردي Montiverdi(١٥٦٧-١٦٤٣) الذي أخرج أول أوبرا حقيقية و خلافاءه من أمثال "كوريللي Corelli ( ١٦٥٣-١٧١٣) و فيفالدي Vivaldi(١٦٧٠-١٧٤٣) و "سكارلاتي "Scarlatti(١٦٨٥-١٧٥٧) و قد كان لمدرسة الباروك الإيطالية فضلا عظيما علي موسيقي ذلك العصر فقد أرسي أعلامها القواعد الخاصة بقوالب السوناتا و الفوجه Fugeو الكونشرتو ، كما نشأ علي أيديهم فن الأوبرا و إلي جانب المدرسة الإيطاليه كان هناك الباروك الإنجليزي الذي حمل لواءه "هنري بورسل " Purcell الذي ألف عددا كبيرا من الأوبرات تأثر فيها إلي حد كبير بالأوبرا الإيطالية و أيضا بإسلوب معاصره الفرنسي " لولي " (١٦٣٢-١٦٨٧)الذي قاد بموهبته الثورية هو و معاصره"كوبران " Couperin(١٦٦٨-١٧٣٣) ثم "راموه " Ramu( ١٦٨٣-١٧٦٤) مدرسه الباروك الفرنسيه التي صنعت للموسيقي الفرنسية إسلوبا خاصا و سمعة ممتازه تجاري الإيطاليون فيما حققوه من نهضة موسيقية ، أما ألمانيا فقد كانت الموسيقي فيها أقل شأنا من نظيرها في إيطاليا و فرنسا إلي أن جاء العبقري العظيم " يوهان سبستيان باخ" (١٦٨٥-١٧٥٠) الذي اقترنت موسيقي الباروك باسمه و قدم أروع و أخلد منجازاتها و ارتفع بالموسيقي إلي سموات علا لم يطأها عقل قبله و لا بعده
تعتبر مسرحية أشباح ثورة اجتماعية وأكثر قوة من مسرحياته السابقة في ذلك الوقت، حيث تمكن إبسن أحد رواد المسرحية الحديثة أن يعري الكذب والنفاق الاجتماعي وانعدام أو تقلص الاحساس بالمسؤولية الذي يؤدي للعجز وتراجع مساحة الفرح الإنساني . الغرض من هذه المسرحية هو تسليط الضوء على العناصر الأكثر ضررا وتدميرا في الحياة. و قبل أن تصدر المسرحية ، أرسل ابسن رسالة إلى ناشره " فريدريك هيجل" حيث يحذره قائلا :"أشباح ستكون إلى أبعد حدّ في بعض الدوائر مثيرة للانزعاج ولكن يجب أن تكون هكذا. إن لم تثر ضجة لم يكن من الضرورة كتابتها ". لكن أشباح كانت قنبلة موقوتة أكثر مما كان يتوقع ابسن. شخصيات المسرحية قليلة: السيدة هيلين ألفينج، ابنها أوزفالد، القسيس ماندرز، النجار انجستراند، والخادمة ريجينا انجستراند، وكذلك الحاجب وهو المتوفي ألفينج، زوج هيلينا ووالد أوزفالد. رغم أنه توفي، إلا أنه يؤثر على كل ما يحدث في المسرحية، وتجري الأحداث في منزل فخم بروزنفولد وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة.
هل يمكن أن تشكل القصة القصيرة وعاء ا مثاليا للحكي السير ذاتي ؟ وهل بإستطاعة هذا النمط السردي منحنا متعة القصة المشوقة المستوفية الشروط والناضجة ’ أم أن الحكي السير ذاتي هو مجرد فضفضة للتفريغ.. لحظة اختناق كبير’ ومجرد محاولة لعتق الروح ’ بل عتق حكايات منسية وتسريحها للأبد .. مادام صاحبها قد اقتنع أنه لا شفاء من أثقالها سوى حكيها ولو للمرة الأخيرة ليستريح ؟ ثم ما الجديد الذي يمكن للقص السير ذاتي أن يمنح القصة وهي محكومة بآليات كتابة دقيقة ؟ وهل يمكن اعتبار كل المحكيات السير ذاتية قصصا.. ما دامت تجتزئ من روح صاحبها ’بل تقتطع من كيانه و تاريخ نجاحه وفشله في الحياة ’ لحظات قد لا تثير أي رد فعل لدى البعض ؟
إن قراء ة أي نص أدبي تتضمن مواجهة بين صورة العالم لدى القارئ، وصورة العالم كما يصورها النص. والقارئ عادة ما يفترض أن النص يصور العالم كما يعرفه. لكن النص قد يؤكد له هذه الفرضية وقد يخالفها.
كتب الشاعر التشيلي الكبير بابلوا نيرودا قصيدة شهيرة اختر لها عنوان " أغنية حزينة " و القصيدة في مجملها تعبير صريح من شاعر عاش الكثير و عانى الكثير ، عن حالة من التمرد ضد الأعراف النفسية و الاجتماعية التي تربى عليها الناس و صاروا على نهجها و جعلوها الهادي و القنديل في حياتهم البسيطة . تحكي القصيدة حكاية رجل بسيط قضى ليال عمره دون أن تشغله أشياء هذه الدنيا و محسوساتها ، رغم أنه كان دوما على موعد مع حسابات خاصة يقوم بها و يتلهف نحوها ، غير أنه لا يفصح عنها و يستأثر بها لمفرده ، و تنتهي القصيدة و لا يفصح الشاعر عن حساباته الخاصة لتظل كل القراءات ممكنة ، و تصبح هذه الحسابات الخاصة هي حسابات كل إنسان على وجه الأرض ، فمن منا لا تشغله مواضيع معينة يقضي أياما و ليال يفكر فيها و يبحث فيها و يحسب لها ألف حساب و حساب . في القصيدة يقدم بابلوا نيرودا استغناءه عن المال و الأملاك الخاصة و التي يعيش الكثير لحظات تهافت كبير عليها ، فهي بالنسبة له لا تشكل هاجسا يشغله ، بل أكثر من ذالك هي أشياء غائبة من خانة تفكيره البتة ، و هو ما تدل عليه عبارة " لا " التي تتكرر عند نهاية كل مقطع أكثر من مرة فيقول :
كقارئٍ ممسوسٍ بالشغفِ إلى اكتشافِ كلِّ جديدٍ في العوالمِ المختبأةِ في الكتبِ والموروثِ الإنساني فإنني أدينُ لفطرتي السليمةِ في أحيانٍ كثيرةٍ. وأدينُ دائماً لذائقتي النقيَّةِ التي قلَّما تخطئُ في اختيارِ المجموعات الشعريةِ اللامعة.